نحو المستقبل الحيوي

المبادة الحيوية على المستوى الاقتصادي     نحو مدن متوسطة

البرمجة الحيوية الثقافية والتقنية        البحث عن تقنية (حقوق الإنسان) لتحقيق الامن الحيوي

المبادرة الحيوية على المستوى السكاني والبيئي

نحو مدن متوسطة

قبل أن يكون هناك أي اتجاه عالمي يهتم بالبيئة منذ 1970، كتبنا عشرات المقالات حول مخاطر التوزع السكاني، ومخاطر المدن الكبرى. وبخاصة في العالم الثالث، وكتبنا في البرنامج السياسي الحيوي أكثر من (200) صفحة في تقييم الوضع السكاني في سوريا، وفي اقتراح الحلول البيئية والسكانية الأكثر فعالية لأخذ دور الجبهة المتقدمة لوقف المد الصهيوني، وفي صيغ المعالجة الحيوية، ولا نرى سبباً يجعلنا نكررها – هنا – ولذلك حسبنا الإشارة بصفحة واحدة حول هذه المسألة لنقول:

إن صيغة المعتمرات الاجتماعية – الحالية – يجب إعادة تشكيلها، ومقاومة أمراضنا البيئية والنفسية الناتجة عنها، ويتوجب الإكثار من محرضات الهجرة الداخلية، والاختلاط المباشر، وعدم النظر إلى الهجرة الخارجية نظرة سلبية.. إذ أن أيام الهجرة كتاب مفتوح، لخبرات غنية لا نجدها في أي مدرسة.. والحركات الحضارية الكبرى ترتبط – بشكل أو آخر – بصيغة من الهجرات، التي تجدد دماء المجتمع.. ترى، ألا يفسر لنا حب الهجرة والقدرة عليها عظمة (الفينقيين) الذين وصلوا إلى أوروبا؟ وآثارهم موجودة في شمال بريطانيا.. إلى الآن.. وكان لهم قواعد على كل سواحل المتوسط.. وسواحل الخليج أيضاً، والروايات عن اكتشافهم لأمريكا منذ ذلك الحين تجد إثباتات أثرية مدهشة. بل ثمة فرضيات باكتشاف الفراعنة.

وهذا غير مستغرب.. فأناس وضعوا نصب أعينهم وضع بصمتهم على التاريخ بشكل متميز واستثنائي، لا بد أن يعرفوا الجغرافيا أولاً..

وهكذا فإن أساس العمران الاجتماعي الحيوي هو مواجهة المخاطر البيئية والنفسية لصيغ – التوضع السكاني الموروث.. والمتنامي دون أي تخطيط وبشكل يكرس العقلية الأحادية فينا.. وقد ذكرنا هذه البرمجة مع الاتجاهات البيئية العالمية المتجهة نحو إيجاد مدن متوسطة بصفتها حلولاً بيئية واجتماعية وثقافية، وتتمثل هذه المدن في فرنسا بما يعرف بالمدن الجديدة. (فيل نوفيل) وتعرف في بريطانيا بما يعرف (بغاردن سيتي) مدن الحدائق!!..

ومثل هذا الاتجاه، سيكون الحل الوحيد لمشكلات الإسكان والبيئة، التي تأخذ شكل كوارث في العالم الثالث عامة، وتظهر من خلال الأحياء الفقيرة، المحيطة بالعواصم، التي تفرغ الأراضي الزراعية، ويتجمع فيها ما يزيد عن ثلث سكان البلد، ليضيفوا إلى مشكلاته، مشكلة أخرى، وفي هذا المجال، لا بد من التفكير بالاستفادة من الجاليات العربية والإسلامية في الدول الأوروبية والأمريكية، والتي يمكن أن يصبح لها ثقلاً مهماً!! كثقل الجالية اليهودية!! إذا أحسن مساعدتها على تنظيم نفسها لتمارس مواطنتها بشكل فاعل وتوصل إلى المؤسسات البرلمانية من يخدم مصالحهم في ديار الهجرة التي ذهبوا إليها وديارهم العربية الإسلامية ودعم هذه الجاليات.

لا يجب أن يكون في صيغة تدخل في شؤون الدول الأخرى وليس بصيغة تبرعات تقدمها هذه السفارة أو تلك للمحازبين.. بل يجب أن تكون بإشراف الجامعة العربية ومؤتمر الدول الإسلامية، أو ما شابه، لمساعدة الجاليات في التجمع في هيئات اقتصادية منتجة وفق سياسة لا تطلب من الجالية التبرع وبالتالي الخوف من نتائج التبرع. ولا تطلب من الجالية أعمالاً إرهابية وبالتالي تشلها وتستعديها.. بل تطلب منها أن تستفيد بتجمعها الديمقراطي المخلص لمواطنتها الجديدة والقديمة بوصفها مواطنة حيوية واحدة في عصر عولمة وعي وتقنية الشكل الحيوي.

وعلينا – أيضاً – أن ننتبه إلى أهمية الهجرات المؤقتة الخارجة والداخلة (سياحة) لتقوية الإحساس بفقه مصالح التوحيد عالمياً. وتجاوز الانغلاق ألا نلاحظ أن ظاهرة السياحة تكاد تكون في القرن العشرين معادلة لانعطافة التاريخ البشري في ارتياد الفضاء.. وبالطبع فإن السياحة والهجرة مرهونة بالقدرة على إيجاد شبكة مواصلات واتصالات في الأرض والسماء.. لنقل وتوصيل البشر والأفكار.. وهي ظاهرة أخذت مع عصر الطيران والفضاء بعداً جديداً كلياً للتاريخ البشري.

المبادة الحيوية على المستوى الاقتصادي

نحو اشتراكية الملكية المحددة والشراكة المتعددة الجنسيات:

ولكن العقلية الأحادية ليست مرتبطة فقط بالسمات البيئية والنفسية المعيشة في صيغ معتمراتنا السكانية بل ترتبط أيضاً بالسمات (الاقتصادية والثقافية والعسكرية..الخ) فما هي صيغة العمران الاقتصادي التي يمكن أن تنهض بها المبادرة الحيوية؟

للإجابة عن ذلك. لا بأس من إجراء مراجعة خاطفة لمحركات التطور الإنتاجي والصناعي والاقتصادي في العالم المعاصر.. حيث رأينا أن بدايات المعسكر الاشتراكي كانت في الانتقال من الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الصناعي وذلك اعتماداً على (اقتصاد الحرب) القائم على ملكية الدولة التام لوسائل الإنتاج والأسواق والنقود والإعلام والباعة والمنتجين والمستهلكين.. الخ. وعندما انتهت الحرب الخارجية فإنها فقدت محركاً كبيراً، وحافزاً حاسماً للتقدم.. وازداد الأمر سوءاً عندما حولت الحرب من المستوى الخارجي إلى المستوى الداخلي، فحاربت المبادرة الفردية والسياسية، وبذلك حفرت قبرها..

وهذه الصيغة من (اقتصاد الحرب) كانت متبعة في ألمانيا النازية، كما أن الدول الرأسمالية التي ما تزال إلى الآن تمتلك أكثر من 40% من اقتصاد السوق بما لديها من شركات كبرى (كهرباء، مواصلات، بنوك، مناجم..الخ) على الأساس فالملكية العامة إذاً ليست موقع اعتراض من أحد.

إلا أن الاعتراض يقوم على نسبة تدخل الدولة وعلى مستوى الإدارة في كل الدولة على التدخل في هذا الميدان أو ذاك.. وضرورة التدخل، بهذا الحجم أو ذاك وبهذا الشكل أو ذاك.. والدولة في النظام الأمريكي والغربي، عامة، هي الشريك الأول في إنتاج واستهلاك وتسويق صناعة السلاح.

وهنا، إذاً، لا مجال لكثير من الجدل.. إنما الجدل حول جدوى اقتصاد رأسمالية الدولة بشكل كلي كما كان يطبق إلى وقت قريب في المعسكر الشرقي. فهل كانت صيغة اقتصاد رأسمال الدولة قادرة على مجاراة ومنافسة رأسمالية القطاع الخاص؟ كما يطبق إلى الآن في المعسكر الغربي؟!

الإجابة وبعد عشرات السنين من التجربة أتت، بالنفي القاطع، فهل هذا يعني نفياً للاشتراكية.. وتدخلاً للدولة في الاقتصاد؟ الإجابة ليست بهذه البساطة. ولكن لنلاحظ أنه تم في المعسكر الغربي تقديم ضمانات مادية ومعنوية لعموم السكان وحتى المهاجرين منهم، لم تكن تصل إلى مستواها في كثير من الأحيان قيادات الأحزاب الشيوعية قبل انهيارها، ونحن نثير المشكلة لا لنقول إن الاشتراكية خاطئة، بل لنقول: إن أساس الملكية العامة – كما أوضحت التجربة – يصلح فقط ضمن قطاعات خاصة، تتطلب اتفاقاً كبيراً، واستقراراً مديداً، وحماية من متطلبات وتقلبات سوق العمل والأسعار وقوانين العرض والطلب.. كالسكك الحديدية والسدود والمطارات..الخ.

ولكن فيما عدا ذلك، وخارج ظروف الحرب، والأزمات الحادة، فإن الصيغة الحيوية لأي مشروع اقتصادي، هي كما شرحناها في (البرمجة السياسية الحيوية) المنشور في بغداد – عام 1977 وفي مقالات منشورة في مجلة جيش الشعب بدمشق عام 1975 حيث أوضحنا أن (الملكية العامة المحددة) ضمن قوانين لا تسمح بالاستغلال والاحتكار ولا تؤدي إلى الجمود والشلل.. هي التي تضمن تنشيط المبادرة الحيوية للمنتجين..

والملكية العامة المحددة هي التي تعرف اليوم من خلال أسهم الشركات المعروضة بالبورصة والأسهم القابلة للشراء والبيع للجميع، وفي كل الأسواق، ضمن حدود التعارض مع سياسة الدولة.. أو الدول التي تعود إليها جنسية الشركة..

ووفق هذه الصيغة، يمكن لنا أن ننشئ شركات ومؤسسات إنتاجية كبرى، تقوم على ملكية الأسهم العامة المحددة.. بحيث يمكن للعمال أن يشاركوا في الملكية، إذا رغبوا وشعروا أن في ذلك فائدة اقتصادية لهم، كما يمكن أن يبيعونها في أية لحظة يجدون فائدة في البيع دون أن يتأثر مستوى أدائهم المهني، الذي لا يخضع لغير سوق العمل، والذي يمكن بموجبه وضع أي عامل خارج العمل لأسباب فردية، تتعلق بالوضع الاقتصادي للمنشأة بشكل مؤقت أو نهائي.. وحتى لو كان العامل يملك أسهماً في الشركة وعلى الرغم أن هذه العملية، ينظر إليها على أنها قاسية، وتحمل الآلام.. وهي كذلك بالفعل.. ولكن مهمة مواجهة هذه القسوة والآلام، يجب أن لا تلقى على كاهل إنتاجية المنشأة.. بل على كاهل البرمجة السياسية للدولة وقوانينها التي تنظم مسؤولية وعائدية أرباح وخسائر المنشآت.. من خلال مختلف أشكال التدخل الضريبي وغيره في قوانين المنشأة..

وفي فرنسا على سبيل المثال، لا يربح صاحب أية منشأة قرشاً قبل أن تربح الدولة منه قرشاً أو قرشين، إذ تأخذ على عاتقها نصيب الضمانات الصحية، واحتياجات الدولة المختلفة، لضمان حياة اجتماعية لائقة، ومتطورة قدر الإمكان..

وبالطبع فإن (الملكية العامة المحدودة) يمكن أن تنحسر حتى تصبح (ملكية خاصة) ولكنها، في هذه الحالة، يمكن أن تكون محددة، وفقاً للاحتياجات الاقتصادية. ولكن السؤال الأهم في العمران الاقتصادي.. لا يتعلق فقط بصيغة الملكية بل أيضاً بتقييم العائدية الإنتاجية أي – بالأسعار والنقود.. وهذه العملية لم تعد مرتبطة بقرارات محلية.. وإلا فإن السوق السوداء وأسعار الظل.. ستكون قادرة على أن تفرض نفسها..

ولهذا ولأسباب اقتصادية، أولاً لا بد من إيجاد قنوات نقدية، ودورات اقتصادية، تربط الشركات والمنشآت الاقتصادية بعدة أسواق.. محلية وإقليمية وعالمية..

مثل هذه الضرورة اصبحت مفروضة على أكبر الشركات الأمريكية واليابانية والأوروبية.. فلماذا لا تكون مفروضة علينا ولماذا لا نستطيع دخولها.. وبخاصة أن احتياجاتنا الاستهلاكية ترتبط في معظم موادها على الصناعات الخارجية؟

ترى ألا يمكن إيجاد نمط من الشركات المتعددة الجنسية تقوم بدور توزيع الأدوار بين بلدان العالم للمادة الخام، واليد العاملة والقدرات التقنية والتسويقية، بحيث يكون لشركاتنا نصيب في أرباح هذه العمليات وبعملات مختلفة وفي الوقت نفسه، يكون لغيرنا مكان للأرباح في أسواقنا وهذه الصيغة توقف الانهيار الهائل بين الوارد والصادر وبين القيمة التي ندفعها أو نأخذها للوارد والصادر والقيمة الفعلية التي يستحقانها فعلاً في ظروف نون نحن طرفاً مشاركاً في التصنيع والتسويق على المستوى العالمي..

إن هذا البعد الاقتصادي يمكن تنظيمه بحيث نضبط من خلاله حقوق الدولة من ثروات المنشأة المعنية. وهي عملية معقدة وصعبة تتطلب قرارات في إدارة الأعمال.

والتجارة الدولية لم نعتد عليها إلا ما ندر في مؤسساتنا الاقتصادية.. وهي عملية تتطلب أنظمة تسمح بالادخار وتحويل الأموال وقدرة على المنافسة، لا يمكن الصمود فيها إلا للشعوب التي تصمم على الانتقال من عصور الاقتصاد البدائي.. إلى عصر التحدي.

وهنا لا بأس من الإشارة إلى كل السلبيات المشاعة عن صنع الشركات المتعددة الجنسية وقدرتها على تهديد السيادة الوطنية والاستقلال، وغير ذلك من أمور كتب فيها الكثير.. وأصبحت معروفة، وهي لا تخلو من الصحة، إلا أن تجربة هذه الشركات كما مورست إلى الآن سواء أكان ذلك في العالم الثالث كالهند وباكستان والبرازيل والمكسيك..الخ. أم في كل الدول الأوروبية الغربية وأمريكا.. تظهر أن المخاطر تتضاءل باتجاه الوقت للتأقلم مع حالة تتوازن فيها المتطلبات المحلية، والفاعلية التجارية العالمية. إن الشركات المتعددة الجنسية استطاعت أن تخفف أعباء النقل للأيدي العاملة وللمواد والناقلات البنكوتية وتخفيف النفقات التي تتطلبها سوق تتنافس فيها السلع للوصول إلى المستهلك..

وأهم ما توفره الشركات المتعددة الجنسية هو امتلاك (معلومات بالغة الخطورة سواء كانت ذات – طبيعة تكنولوجية أو كانت تخص بعض الصفات المميزة للأسواق، وقد أدرك علماء الاقتصاد تدريجياً أن القدرة على تعبئة تلك المعلومات قد تكون ذات قيمة تعادل قيمة رأس المال في أشكاله الأكثر تقليدية وربما أصعب منالاً بالنسبة للبلاد التي في طريق النمو، وهذا أحد الأسباب التي من أجلها شدد حديثاً في إبراز فكرة (رأس المال البشري) باعتباره متميزاً عن رأس المال في أشكاله الأكثر تعارفاً)([2]).

وهذا المرجع مفيد جداً لمعرفة أخطار هذه الشركات وفوائدها. فيتطرق إلى خطورة فقدان السيادة الاقتصادية وبخاصة أن أربعاً من كل خمس شركات من هذا القبيل هي الآن أمريكية، مع كل ما يعنيه ذلك من قدرة أمريكية للمس بالسيادة الوطنية والأمن القومي..

وهذا أمر معروف ومتوقع، ولكنه في الحقيقة قابل لأن يكون أيضاً فعالاً بالاتجاه المعاكس، حيث يمكن للشركات غير الأمريكية أن تصبح صاحبة نفوذ في أمريكا.. بالطبع فإن هذه المعاكسة ستبقى في حدود وقدرات أوروبية موحدة أو يابانية، أما أن تكون عربية وإسلامية فإن ذلك سيبقى بعيداً عن الجدية على الرغم من بقاء أهم الشركات المتعددة الجنسية موجودة في بلادنا كالبترول والمواد الخام.

فالمؤسسات المتعددة الجنسية في الغالب، اقتصر ظهورها على بعض فروع الصناعة.

(كالنفط والمناجم والصناعة الصيدلية وصنع الآلات وتجهيزات النقل والمواد الغذائية والتبغ)([3]).

ترى أليس لدينا النفط؟! ثم أليس لدينا حاجة للصناعات الدوائية وقدرة على الصناعة الكيميائية؟ ألا نحتاج إلى تطوير قدراتنا على صناعة تجهيزات النقل؟ وهل يمكن أن ندخل العصر دون قدرة على امتلاك أدوات المواصلات والاتصالات التي تجعلنا نتصل بالعصر وبمعطياته؟ أما ضرورة صناعة المواد الغذائية فهذه أكثر من أولية.

وعلى الرغم من أنه ستظهر باستمرار إمكانات التشويش وتهييج الجماهير ضد السلطات التي تندفع في هذا الاتجاه بوصفها سلطات متواطئة.. إلا أن ذلك سيكون محدود الأثر إذا جاءت النتائج إيجابية وبخاصة أن الخبرة في هذا المجال تظهر أنه (في كل عشر سنوات وبينما تتسع التجارة الدولية يظل عدد المنشآت الخاصة بالصناعات الموحدة كالألمنيوم والفولاذ والبترول في تزايد مستمر بدل أن يتراجع. وبشكل عام يمكن القول أنه حيثما التكنولوجيا من أي نوع معروفة بصورة أفضل ومنتشرة على مدى أوسع يجد منتجون جدد سهولة أكبر للدخول في اللعبة والاستيلاء على رؤوس الجسور. فليس، إذا، مكتوباً سلفاً أن الإنسانية سيبتلعها عملاق مارد من عمالقة التجارة العالمية ومع ذلك فإن هذا الخوف قائم)([4]).

ولذلك فإن الرهان سيبقى على مدى تعرف الأوجه الإيجابية لهذه الصيغ الاقتصادية العالمية وامتلاك صيغ تحويلها.. ومع أن الخوف سيبقى قائماً، فإن هذا يتوقف على إرادتنا في الحياة، وقدرتنا على إثبات ذات حيوية وبلورتها وليس هناك ما يجعلنا أقل كفاءة من أجدادنا الفينيقيين. الذين كانوا أول وأعظم من مد شبكاته الاقتصادية باتجاه عالمي.. والتمويل الفينيقي لمناجم القصدير في إقليم كورانوايل البريطاني، ليس أقل أهمية من توظيفة شركة فيات المالي في الاتحاد السوفياتي قبل انهياره.

وبالطبع فإننا هنا لا نقلل من المخاطر التي تحول دون القدرة على مواجهة التحديات، وليس أقل هذه المخاطر هشاشة التحوي (الذاتي) حتى لدى الصفوة من المثقفين العرب والمسلمين الذين قد يصبحون من خلال عملهم في هذه الشركات منتمين إليها والى مصالحها أكثر من انتمائهم لوطنهم.

فيعمل هؤلاء من أبناء البلدان النامية أو غيرهم.. لخدمة الشركة التي ينتمي إليها هو لا خدمة لوطنه.. وهذه الفئة من فئات الصفوة في الدولة النامية. وتستخدم هذه الشركات طابور أصدقائها في الصفوة العاملين في أطر وإدارات الدول. وتستخدم أجهزة إعلام الصفوة وأجهزتها العالية تمجيد أدمغة الأوساط الشعبية لخدمتها من خلال غسيل الدماغ الإعلامي ذلك دون أن تظهر الشركات العديدة الجنسية في الصورة([5]).

إن هذه الإشارة ليست خاطئة.. وقد أشرنا إليها سابقاً، ولكن هل يتسم إعلامنا الحالي، وأجهزة الدولة في كثير من الأحيان وفي كثير من الأنظمة بسمة البعد عن تأثير قوى الهيمنة الخارجية، لا بشكلها الاقتصادي فقط، بل أيضاً بشكلها السياسي والثقافي، والغربي والشرقي.

وكما ذكرنا فإننا لسنا – هنا – في معرض الإشارة إلى هذه المخاطر ونؤكد ذلك مرة أخرى أنه ما من دولة عربية وإسلامية إلا وتخضع لقوى الهيمنة الدولية اقتصادياً طالما أنها تستورد معظم احتياجاتها من الخارج.

وقوى الهيمنة الدولية السياسية والاقتصادية لا تتعب نفسها بالبحث عن موظفين، فالأجهزة في معظم الدول ومن مستوى وزير على الأقل.. يعمل ضمن مخططاتها.. ويناله نصيب من دعمها المادي والسياسي وبشكل علني في أكثر الأحيان.

إذاً من أين يأتي الخطر؟!.. هل نريد الإشارة إلى مخاطر الشعور بضعف (الذات).. والشعور بالسحق أمام (الأخطر)؟! والسقوط عند أول إغراء.. أيضاً فإن الإجابة هي النفي.. بل الخطر.. كل الخطر أن العالم لا يثق بقدرتنا على المشاركة، ولم نصل بعد إلى مستوى من الاستقرار السياسي والاجتماعي بشكل يغري الآخرين باستقدام المصانع وإقامة الملحقات الصناعية في أقاليمنا.. فطالما أن القانون ليس له الهيبة والثقة، وطالما أن الإدارة لا تنهض على مصداقية مستقرة، فإنه إذاًُ يغامر بالمجيء.

وإذا فكرنا بالامتداد نحو الخارج.. من خلال استثمار الأموال في المنشآت – الاقتصادية الدولية، فإن النتيجة كانت حتى الآن سلبية.. وتجربة الكويت في المنافسة مع شركة (مرسيدس) وتجربة ليبيا مع شركات إيطالية.. لم توضح أن المغانم تتعدى الاستثمار البنكنوتي.

(فهذه الأموال النفطية تقدمت باتجاه الدول الرأسمالية المتطورة بناء على خطط الغرب. ولعدم قدرة البلدان العربية الخليجية على امتصاص هذه الأموال.. داخل اقتصادها فاتجهت للاستثمار والاستهلاك والاستيراد المتعاظم من الغرب مما خفف من خوف الرأسمال الصناعي. وضمن عودة الأموال لدوائر ومنح هذه الدول القروض وتوقيف الدولارات في البنوك وفي الأوراق المالية المختلفة والمساهمة في تمويل المؤسسات المصرفية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير ومعظم هذه المؤسسات تقع تحت سيطرة الاحتكارات)([6]).

وأزمة الخليج ألم تكن أساساً لاحتواء مئات الدولارات النفطية المجمدة في البنوك الغربية؟!

ولذلك فإن الطريق المسدود هذا هو الأخطر ولنلاحظ أنه في أواخر 1974 اشترى الكويت (14%) من أسهم شركة السيارات الشهيرة (دايملر – بنز) في ألمانيا الغربية.

وبعد مرور بعض الوقت حاولت إيران شراء نسبة كبيرة من أسهم هذه الشركة التي كان سيعنى في حال حدوثه انتقال الإشراف على (دايملر – بنز) إلى أيدي رأسمال شرق أوسطي. غير أن الصفقة لم تتم واصر (هيلموت شميدت) على أن يقدم أصحاب بنك ألمانيا الاتحادية (مساعدة) للشركة التي أصابها الضعف وذلك بشراء الأسهم التي كانت إيران تزمع شراءها وقال شميدت (لن نكون راضين لو أن فروع اقتصادنا الكبيرة والهامة سياسياً واستراتيجياً وضمت تحت إشراف أجنبي. واجتمع كبار أصحاب بنوك وصناعي ألمانيا الاتحادية في دوسلدورف ووضعوا الإجراءات الرامية إلى عرقلة الرساميل النفطية)([7]).

هنا المشكلة. وهنا يتوجب تركيز الجهد للحل، وهنا تتضح المشكلة بوصفها مشكلة بلورة حيوية (للذات) من خلال ميثاق مقبول جماهيرياً وملزم وقادر على احتواء متطلبات الانفتاح الاقتصادي للمساهمة في امتلاك لغته عالمياً ومحلياً بآن واحد.. ودون ذلك.. فلا ذات ولا حياة ولا برمجة حيوية.

ومن أجل السير بهذا الاتجاه يمكن التواضع في المطالب التي يمكن أن نطلبها من أنظمة الدول النفطية لكي تتوقف عن تحمل مسؤولية حماية الحرمين، والمقدسات، والعروبة، والإسلام وتحرير فلسطين وتحقيق الوحدة العربية – لنطلب منها فقط السعي للإشادة بأنظمة اقتصاد حيوية. تجعلها متوازنة وفعالة في امتلاك مفاتيح الاقتصاد العالمي، بما يتناسب وثرواتها ويقوى الاتجاه الحيوي للذات العربية والإسلامية، لدخول العصر وامتلاك معطياته.

ومن أجل ذلك لا نطالبها بالتهديد بقطع الإمدادات ولا بتفجير الآبار، بل نطالبها بالاستثمار في الوطن العربي وأن تكون فعالة في استثمارها وقادرة على موازنة هذه الثروة الاستثنائية، بمعادل اقتصادي قادر على إنهاض العالم العربي والإسلامي وإخراجه من حالة الانحطاط والتخلف والتبعية الاقتصادية الذليلة.

من يتقدم في هذا الاتجاه.. يستحق التقدير، ومن يتخاذل في ذلك فسوف تلحقه حياً وميتاً لعنته الحياة.

إن ا لاستخدام الحيوي لثرواتنا كفيل بإيجاد وبلورة الطريق إلى امتلاك العقل النقدي الفعال المتوازن محلياً وإقليمياً وعالمياً. وغياب هذا العقل في أزمة الخليج الأولى والثانية أدى إلى استنزاف ثرواتنا كما هو معروف وجعل الدول النفطية نفسها تعاني من أزمات اقتصادية.. فهل يستحيل علينا أن نمتلك العقل الحيوي لتوظيف هذه الثروات؟!

هل يستحيل علينا رؤية إرادة حيوية تجعل هذه الثروات، أو جزء يسير منها، شركات اقتصادية إنتاجية متعددة الجنسيات الإقليمية.. وتكون البلد الأم فيها دول النفط.. وتكون ملحقاتها في سائر الأقطار العربية والإسلامية.. ليس لطلب إعانات، وهبات، بل استثمارات، ولتكن رابحة لأصحابها في دول النفط.. وليهنئوا بأرباحهم فعلاً فهم أفضل من الغرباء.. ولكنهم في واقعهم الحالي.. وفي معظم الأحيان أسوأ من الأغراب لا لأنهم يمتنعون عن توظيفات ذات مغزى في الأقطار العربية والإسلامية الأخرى، بل لأنهم أيضاً يقدمون معونات وهبات لتكريس الاستبداد والتخلف.. وتأجيج المنطق العصري في الشخصنات الإسلامية وبالطبع.. فإن هذه الملاحظة. لا تشمل الجميع بل توجد استثناءات رائعة ومنها على سبيل المثال.. بناء سد مأرب الذي موله الشيخ زايد من ماله الشخصي بأربعة مليارات دولار واشترط أن يكون العمال من ديار العرب والمسلمين حصراً.

كما أننا لا ننسى المواقف الحيوية الحاسمة للملك فيصل والداعمة لأهداف حرب تشرين 1973.. ترى هل سنستمر في البعد عن هذه السياسيات؟ أم أن المنطق الحيوي سينتصر فينا عاجلاً أم آجلاً؟

ترى لو رفع على كل منشأة اقتصادية في ديارنا أعلاماً من دولة عربية وإسلامية وعالمية، وفي كل منشأة عمال من أكثر من دولة، ألن يجعلنا ذلك – ورغماً عنا – ندخل في عالم منفتح على الآخر؟ ويجعل العقلية الأحادية تتراجع.. تحت طائلة التخلف في المستوى المعيشي والقدرة الاستهلاكية.. التي يجب أن ينظر إليها بمنظار آخر غير الذي روجه المعسكر الشرقي، في مراحل جموده وتخلفه الحاد عن المنافسة مع المعسكر الغربي.. حيث يتم وصف الاقتصاد الغربي بأنه استهلاكي لتغطية وفقر الأسواق بالمواد الاستهلاكية، بالمقارنة مع السوق الغربية ووصف القدرة على الاستهلاك شتيمة.. مع أنها في حقيقة الأمر تعني مستوى معيشياً أرقى وأكثر رفاهة عدا عن أنها إشارة اقتصادية إيجابية تدل على حركة اقتصادية داخلية قوية بالدرجة الأولى.. وتدل على قدرة شرائية متجددة ومتناسبة مع معطيات السوق.. وما فائدة الروبلات والأسواق، فارغة.. أو مليئة، ولكن بالأسعار.. التي ليس بمقدور معظم الناس دفعها؟!..

ويجدر التنبيه – هنا – إلى أن العمران الاقتصادي والحيوي لن يتحقق بمجرد تحقيق نظام – الملكية العامة المحددة القابلة للشراء والبيع بصيغ علنية ومفتوحة وينسب تقدرها المتطلبات – السياسية والاقتصادية التي يتزامن فيها اعتبارات الدولة والمنشأة. من خلال ممثلي كل منهما في لجان مراقبة التجارة الداخلية والخارجية المعنية بهذا الخصوص. ولن يتحقق أيضاً – فقط من خلال القدرة على الامتداد في صيغ شركات محلية وإقليمية وعالمية، تتقاسم نسب الأرباح والنفقات، وتشارك في عملية الإنتاج والتسويق، بشكل قادر على المنافسة المفتوحة.. بل إن العمران الاقتصادي الحيوي يرتهن أولاً على القدرة على تحرير الثروات المنهوبة.. وهي في الوطن العربي والعالم الإسلامي لا تقتصر على النفط والخامات الأولية.. بل تمتد أيضاً إلى تسلط الهيئات الطفيلية التي تسمم (بوجودها) النظم الاجتماعية والسياسية السائدة سواء أكانت في دول ذات نظام رأسمال الدولة، أو رأسمال خاص.

ونحن هنا لا نتحدث عن نظام العملات، والهبات، والمنح التي تترتب على كل عملية تجارية تشرف عليها الدولة. فهذه عملية موجودة بشكل أو آخر في كل دول العالم، ولكن الفارق بين ما يجري في الدول المتقدمة والمتخلفة هو أن هذه العمولات والهبات والمنح لا تذهب إلى جيوب أفراد. ومصالح شخصية، بل تصب في خانة برامج سياسية وجمعيات وأحزاب تتطلب موارد لتنشيط أهدافها.. التي تتضمن أولاً مخططاً اقتصادياً يدعم برامجها السياسية والمالية.

ولكن الأهم من هذا.. هو طفيليات السوق العالمية التي تعيش من سرقة التصميمات واغتصاب الأسواق من خلال الاعتماد على تدخل الشركات بأشكال مختلفة، بحيث تؤمن نوعاً من التسهيلات الجمركية والإدخال والاستهلاك.. وتضع صعوبات تجاه غيرها.. لاعتبارات تأمين الهيمنة الاقتصادية، من قبل سلطات الدول المتقدمة، ولاعتبارات استمرار نعمة التبعية المفيدة من قبل السلطات المحلية.. وهذه الحالة تؤدي إلى إفراغ مستمر، للقدرات الاقتصادية، مقابل استهلاك مواد مستوردة لا تشكل فعلاً احتياجاً حيوياً.. ولكنها توضع في السوق بطريقة تجعل استهلاكها آلياً.. ومغرياً.

ومن هذه النقطة، نطل على بعد الهيمنة الاقتصادية، الذي يحدد القدرات الإنتاجية، والتقنيات الممكنة الاستيراد، يحدد المنتجات والثروات المحلية. وأسعارها، ونحن – بالتأكيد – نمثل الجانب الأضعف!، إذا لم يكن ثمة إرادة حازمة لمقاومة سياسيات الهيمنة هذه!!.. وقدرتنا، على ذلك، موجودة! فيما لو أحسن استخدام منظمات (كالأوابك) العربية للنفط.. والأحسن إيجاد (أوابك) أخرى خاصة بالفوسفات والحديد والقمح والقطن.. الخ.

وبالطبع، فإن سياسات الهيمنة، لن تسمح بزيادة القدرة على القرار العربي المستقل، ولاحظنا، أن من أهم دوافع المصيدة الأمريكية لصدام، كانت لعبة أسعار النفط، ومستويات الإنتاج، ولذلك، فإننا يجب ألا نتوهم، بحقيقة أخطبوط مصالح الهيمنة الاقتصادية القادرة على صنع النواب والوزراء والرؤساء وقادة الجيوش، لخوض معارك مدعومة بالإعلام والرأي العام من أجل استمرار هيمنتها.

وذلك، لأن أي إغفال لبعد الهيمنة الاستعمارية عن الفارق الكبير بين مستوى الرفاه المعيش في دول الغرب بالمقارنة مع العالم الثالث.. يعنى الوقوع ضحية أكاذيب القدرة الإنتاجية للعبقرية الغربية، مقابل الغباء والعقم في العالم الثالث..

ولكن، لخوض هذه المعركة بنجاح، يجب أن تتضح الأهداف والوسائل بدقة. فاليابان وألمانيا المنهزمتان عسكرياً، استطاعتا. تحدي الهيمنة الغربية والأمريكية، في عقر دارها.. وتحقيق ذلك بالنسبة إلينا يتوقف على تأمين مستلزمات أساسية للمبادرة الحيوية:

أولها: تحقيق الاكتفاء الذاتي، وهذا يعني إعطاء أولوية للاحتياجات الزراعية والتصنيع الزراعي.. بحيث نكف عن استيراد غذائنا.

ثانيها: تطوير الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي. وصندوق التنمية الإسلامي. بحيث يساهم – فعلاً – في التنمية ويوفر رصيداً للعمليات البنكوتية ضمن ديار العرب والمسلمين، ويشجع ضمانات للتبادل التجاري بعملة مستقرة، وموحدة في هذه الدول وصولاً إلى الدينار الحيوي!! وعلى سبيل المثال، فإن إيداع أموال في الخزينة العامة للبنك المركزي الوطني لأية دولة متوسطة.. بمقدار (مليار أو مليارين دولار) من شأنه دعم الاقتصاد الوطني لتلك الدولة، وإعطاؤه استقراراً منشطاً، وضماناً من الانهيار.

ثالثها: اشتراط ثمن للمواد الخام بصيغ تقنيات قابلة لإعادة الإنتاج والتصليح والتشغيل محلياً، وعدم قبول أرقام، لا معنى لها، على أوراق بنكية.. بالأموال التي حصلنا عليها لقاء تصدير ملايين الأطنان من النفط أو غيرها.. وفي حقيقة الأمر لا نستطيع تحريك هذه الأموال، ولا تشغيلها وفق إرادتنا.

رابعها: مع ضرورة إيجاد مرونة، وتنوع في التعامل الاقتصادي الدولي.. فإنه يفضل التركيز على محاور دولية، أقل نزوعاً للهيمنة.. وأقل تعطشاً للعدوان وامتصاص دماء الشعوب.. وتعيين هذه الدول – يتوقف على معطيات الحوار العربي – العالمي، والعروض التي تقدم من هذا الطرف أو ذاك، أو التي يمكن الحصول عليها من هذا أو ذاك.. وللأسف الشديد، فإننا في وضعنا الراهن لا نستطيع الإشارة إلى طرف دولي واحد ما يزال مهتماً بصداقة العرب!! لأنهم قادرون في هذه المرحلة على التعامل معنا بوصفنا عبيداً!! وهذا أفضل لنا على المدى البعيد.. لنعتمد على أنفسنا أولاً.

ومع ذلك، ومهما قيل في العمر الاقتصادي الحيوي، فإن ما يتوجب التركيز عليه هو ضرورة الانفتاح على الاقتصاد العالمي، من موقع المشارك، والمنافس، وفي هذا فقط ندخل العالم.. ونتجاوز العقلية الأحادية.. التي ستجعلنا نتعامل مع الأسود والأصفر، والأحمر، والبوذي، والهندوسي، والمسيحي، واليهودي، والملحد ونراهم يشاركون في إدارة الكثير من منشآتنا، وتشغيلها، كما يشارك أبناؤها في العالم في الإدارة لتشغيل منشآت اقتصادية عالمية! وعلى قدر نمو هذا العمران الاقتصادي الحيوي ترتهن، إمكانات تجاوز العقلية الأحادية.. جزئياً.

ونقول جزئياً.. لأن، هناك أبعاداً أخرى تعطل أو تسرع عملية تجاوز العقلية الأحادية!!.. ونذكر هنا العمران الثقافي، فالاقتصاد، والإنتاج يتطلبان أولاً ثقافة تؤهل أبناءنا لإدارة منشآت بهذا الحجم وتشغيل ما يماثلها من الاتساع والتنوع والتحدي.

البرمجة الحيوية الثقافية والتقنية

نحو تجاوز رماح الثقافة العنصرية.. وثقافة حشو المعلومات!!

الثقافة في مختار (الصحاح) ما تسوى به الرماح، وتثقيفها: تسويتها، صقلها.. لتكون مادة قاطعة قوية، والثقيف بالكسر أي حامض جداً مثل بصل حريف.

وكما قال عنترة:

جادت له كفي بعاجل طعنةٍ * * بمثقف صدق القناة مقوم

ومن أهم اشكالات الوضع الانتفالي الذي نعيشه يبرز البعد الثقافي. والثقافة بمعناها الحيوي لا تتضمن أبعاداً نظرية فقط، بل تتضمن – أيضاً – أبعاداً عملية وتقنية. تضم مجمل القدرات الذهنية والعملية للفرد والجماعة، التي تعالج فيها قضاياها.. فالمثقف والسيف أو الرمح، هي أدوات الحسم لمعايشات واتخاذ القرار الذكي، المتلائم مع الهدف.. في المكان والزمان المناسبين كالتي يمتلكها الرمح.

والثقافة الحيوية هي الثقافة التي تستطيع استبشار الأهداف الحيوية القابلة للتحقيق والمتسقة مع المعطيات المعيشة، والمستقبلية، انطلاقاً من الواقع المعيش ومن الخلفيات المتاحة.

ولا نبالغ! إذا قلنا: إن العالم بأسره، يعاني أزمة ضياع في توجيهه الثقافي، وبخاصة في مجال العلوم الإنسانية حيث أن معظم المناهج في هذا المجال، وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية، ما تزال تدور ضمن منطق الجوهر العنصري.. وما تزال تعبر عن مصالح فكرنات نافية (إيديولوجية) يوجهها النظام السياسي الرأسمالي، ومن ذلك، على مستوى الجامعات الخاصة وهي بالآلاف.. تجد جامعة يهودية!! وأخرى مسيحية!! (كاثوليكية، بروتستانتية..الخ) وتجد أحياناً أخرى إسلامية أو بوذية!! ولكن ضمن جامعات الدولة فمن الصعوبة بمكان السماح لأي مادة تتعلق بالعرب والمسلمين حتى ولو كانت لتدريس اللغة العربية ما لم تكن مضمونة من أساتذة يدورون في فلك الأمن السياسي الأمريكي بشكل مباشر!! حيث يعمل معظم إن لم يكن جميع أساتذة شؤون الشرق الأوسط ضمن الجمعيات الاستشارية للخارجية الأمريكية.. وفي حين تسمح أمريكا في تعدد الأنظمة التعليمية ما دامت تجلب المال وتدور في فلكها الأمني فإن فرنسا لا تقبل أية تعددية ولا تقبل حتى دخول الطالبات إلى المدارس وهن يرتدين الحجاب!! بينما تسمح بارتداء القبعة اليهودية!!

وهذه الحالة الأيديولوجية النافية الموجهة للعلوم الإنسانية موجدة في كل مكان، وكل نظام في ديار العرب المسلمين له جامعته وله مناهجه المبررة لسياساته، ولكن هذه السياسات التعليمية أصبحت متخلفة وتحتاج إلى تغيير كما حدث للمجتمعات الماركسية، وبعد عشرات الأعوام، وجدت نفسها مضطرة للتخلي عن المنطلقات الماركسية، التي كانت تؤطر العلوم كلها، بوصفها علم العلوم، وذلك لمصالح أمنية وليس مصالح علمية!!.. وهذه الحالة ليست خاصة بالمعسكر الشرقي السابق، بل كما ذكرنا، فإن العالم الغربي، هو الآخر، يعاني أزمة واضحة، بين الثقافة الدينية وبين ثقافة حقوق الإنسان، والثقافة العنصرية الديالكتيكية.

ونحن في العالم العربي والإسلامي والعالم الثالث، لسنا خارج هذه الأزمات. إلا أن الوجه الأكثر خطورة هو نمو العنصرية الثقافية، فبعد قرون الانحطاط، وغياب القادرين على القراءة والكتابة.. إلا في حدود ضيقة جداً، هي حدود المدارس القرآنية.. فإن انتشار التعليم المجاني والإلزامي قد جعلنا خلال عشرين عاماً، تمتد بين الخمسينيات والستينات- نخطو خطوات كبيرة في التعليم الثانوي والجامعي. تجاوزنا، فيه، إمكانات التوظيف والاستيعاب المحلي، الأمر الذي جعل نسبة البطالة بين الأوساط المتعلمة، تأخذ بالازدياد.. وبعد أكثر من ستة عشر عاماً على مقاعد الدراسة، وجد الكثير من الخريجين الجامعيين، وفي كل الاختصاصات، من الهندسة إلى الطب، أنفسهم أعجز عن تأمين اللقمة من (حمال) أو بائع على عربة صغيرة.

وهذه الأزمة ملحوظة في معظم الأقطار العربية.. بحيث أصبحت ثقافة هؤلاء.. عائقاً أمام قدرتهم على التلاؤم مع الواقع، لأسباب كثيرة، منها ما يعود إلى المنطق النافي الديالكتيكي للثقافة السائدة، ومن ذلك فإن المناهج الثقافية الرسمية تقدم للتدريس مخططاً كاريكاتورية.. عن تاريخنا المجيد بحيث.. تحتفظ (بأسماء أخناتون نبوخذ نصر وحمورابي وآشور وامرئ القيس وزهير بن أبي سلمى وعنترة) وقبل أن تأتي كوكبة الإسلام. التي تبدأ بالاضمحلال بعد قرنين وتتلاشى كلية منذ عشرة قرون. ويغيب التاريخ حيث يبرز لنا (سايكس بيكو) و (التتار)، و (المماليك) و (الأتراك)، وتقف لحظة عند فتح القسطنطينة، ونغيب لنستيقظ على اتفاقية (سايكس بيكو) والاستعمار الغربي.. وإسرائيل وقوات التدخل السريع.

هذه الصورة لمسيرة التاريخ تعاش بشعور من الألم والتحدي والقدرة على المواجهة اعتماداً على التاريخ.

ولكن أي تاريخ.. يثبت أننا قادرون على التحدي؟ ولماذا لا تمر فينا قرون التتار والمماليك والأتراك من جديد؟! وخلال هذه الفترة الطويلة كم من جيل ولد ومات. ولم يعرف من زمانه، غير اسم الأتابك، والخديوي، والمملوك.. وكم من جيل ولد ومات وهو لا يعرف من زمانه، ولم يعرف عن (محمد) إلا أنه امتطى البراق إلى السماء بأسرع من الصواريخ. ولم يعرف عن (علي) غير ضربته لباب خيبر بأقوى من الديناميت.

ماذا نريد القول من هذه التساؤلات؟! إنما نريد قوله ببساطة.. إن الثقافة والإعلام والتعليم تعطينا على المستوى الرسمي والشعبي شعوراً مخدراً بقرب النصر. لا على إسرائيل بل على جد إسرائيل. ونسمع في الأخبار، بين الحين والآخر، ضجة وفرحة كبرى بدخول أحد المسيحيين إلى الإسلام؟! وأن الإسلام قادم لإنهاء كل من يتخلف عنه لأنه الوحيد الذي يدل على طريق الخير في الحياة والممات. والنصر معقود من عند الله للمؤمنين.. أما لماذا غاب الخير عنا.. خلال قرون وقرون، لماذا؟. لم نعرف غير المزيد من الظلام والتقهقر.. فالأمر لا يستحق حتى البحث؟؟ ولا يرقى إلى مستوى اللغز الذي يجب أن تتحرك العقول لحله.. إنها هنيهة في عمر الأبدية.. الإسلامية. وماذا تساوى عشرة قرون من عمر الزمان. إنها غفوة. والآن استيقظنا.. وفي كل بيت كتاب اللغة العربية ونسخة من القرآن.

هنا المشكلة الحقيقية في امتلاك تقنيات العصر التي تحتكرها إلى الآن قوى الهيمنة، وليس لدينا لمواجهتها غير الضعف وغير النفسية استسلامية قدرية.. محقونة بمخدر ومضات حضارية تملأ العيون، والآذان آثارها، وكأنها معلقة فوق الزمن وفوق الظروف.. هذه العقلية السحرية.. هل تستطيع المواجهة؟ وهل تعرف- أساساً- ما الذي يتوجب مواجهته؟..

بالنسبة لنا فإن المواجهة المطلوبة هي إعادة استلام المبادرة التقنية. وما هي أهداف هذه التقنية.هل هي عسكرية؟! الجميع يحب هذا.. ويتمنى ذلك.. يجب تدمير العالم فوق قوى الاستعمار.. وليكن الدمار علينا، وعلى أعدائنا، كما أراد شمشون..إلا، أن هذا بالضبط! هو مصدر_ آخر- من مصادر هزائمنا.. الذي يجعل الغرب حذراً جداً، من شمة الهواء التي نتنفسها!!؟ فكيف يكون موقفه إذا حاولنا معرفة أسرار التقنية؟! فأين المفر؟! هل ننتظر معارك أخرى فادحة التكاليف وشنيعة النتائج؟ لكي تخضعنا لمزيد من المعاهدات؟ تمنع عنا تطوير التقنيات العسكرية؟. كما حدث للعراق؟ وكما يطلب باستمرار من الباكستان، تحت طائلة قلب الطاولة على الحكام المخالفين.. وكما يشار إلى الجزائر الآن.. وإيران بعد حين!

أم أن هناك صيغة أخرى؟ يمكن أن نواجه بها قوى الهيمنة؟ وبالتالي الحصول على مستلزمات التقنية المعاصرة.

وقبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بأس من البحث في الأسباب التي جعلت من اليابان وألمانيا قادرتين على تطوير قدراتهما التقنية، رغم هزيمتهما الساحقة في الحرب.. ورغم المعاهدات المفروضة على التقنيات العسكرية.

بمعنى آخر، ما الذي يجعل العالم العربي والإسلامي، قادراً على مواجهة قوى الهيمنة؟ كما واجهتها اليابان وألمانيا المهزومتان عسكرياً؟!.. أليس واقع كل من ألمانيا واليابان يعطيهما قدرات على خرق المعاهدات ومباشرة التحدي العسكري؟. أكبر من أية دولة عربية؟ ومع ذلك، لماذا لا نلمس التدمير الشامل،و العتاد العسكري المنافس؟!

قد يرد بعضهم، بأن اليابان وألمانيا ليستا مهددتين بالاحتلال والتجزئة ونهب الثروات كما هو حال العرب والمسلمين.

للإجابة، نرد: أن الهيمنة التي تمارس على كل من اليابان وألمانيا. أخطر من التجزئة ونهب الثروات، لأنهما محتلتان عملياً بقواعد عسكرية.. ولأن القرار السياسي المستقل، ليس بيد قادتهما، في كل المسائل.. ومع ذلك، وضمن هذا الوضع فإن اليابان وألمانيا، تدان الصاع صاعين، المرة تلو المرة.. فكيف ذلك؟!. وهل بإمكاننا- نحن- تحقيق ذلك؟.

الإجابة، تكمن- أساساً- في روح الغزو والتوسع للتعريب والأسلمة التي نجتر شعاراتها، ليل نهار. وكأنها مهمة مقدسة وتكليف من الله لتحقيق ما يعجز أنبياؤه عن تحقيقه!؟.. وكأنه لا يوجد في القرآن (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) إن ما لا يشاؤه الله .. نشاؤه- نحن- نيابة عنه، وليس لدينا غير التمائم؟ وعقلية السحر المنتصرة.

وثمة نقطة يمكن أن تفضح عقلية المواجهة هذه وأهدافها.. فلنفترض، كما ذكرنا سابقاً، إن فلسطين لم تحتل، ولنفترض أنه لا يوجد لدينا نفط، ترى ماذا سيكون حالنا.. هل ستنتهي العقلية الأحادية؟

الإجابة بالتأكيد هي النفي.. ولسوف، يكون حالنا، في ذلك، أقرب ما يكون إلى حال أفغانسستان والسودان، لا من حيث التخلف والضعف بل أيضاً من حيث شدة التعصب وانغلاق العقلية والسعي لأسلمة العالم!؟!.. بالخطابات العنترية تجاه الخارج وبالحروب الأهلية في الداخل.

هنا الجرح.. فلنشر إليه مجدداً وهنا، سبب مواجهتنا المهزومة مع قوى الهيمنة الدولية.

ولذلك، فإن المطلوب هو صياغة مبررات وتصورات المواجهة مع القوى المهيمنة بشكل يتسم بالواقعية، والتواضع، والصدق، والطموح المشروع!!. وبنظرة أشمل ..

تحدد بالفعل قوى الهيمنة!!.. فهل كل الغرب معادٍ للعرب والمسلمين؟!، وإذا كانت الإجابة، نعم، فلماذا لا نحمل أنفسنا قسطاً من المسؤولية؟!. ألا يوجد فينا ما يبعث على الكراهية من قبل الآخرين؟، واحتقارهم واشمئزازهم منا؟!

وإذا كان الاختلاف الحضاري، في القديم مبعثاً للكراهية والعداء!!.. فلماذا استطاعت القارة الهندية التي وجد فيها عشرات بل مئات القوميات واللغات المختلفة، أن تحظى بصيغة لا تمنع وحدتها السياسية، ولا تحرم عليها امتلاك تقنيات نووية وفضائية؟، وامتلاك مناهج ثقافية وتعليمية تجعل منها رابع دولة مصدرة للأدمغة في العالم!!.. وحتى الصين، فإنها استطاعت، وبالرغم من القطيعة مع الاتحاد السوفياتي، وبالرغم من محاصرة العالم الغربي لها.. أن تمتلك تقنيات نووية وفضائية.

ما الذي يجعل الهند والصين، وهما من دول العالم الثالث، أن تتقدما على طريق امتلاك التقنية المعاصرة.. ولا نستطيع- نحن- تحقق ذلك.

إذا كان الرد بأنها تعد بالمليار، فإن الإجابة ستكون أن التضخم السكاني مشكلة سلبية، وليست إيجابية في هذه القارات، وبذلك، فإن البرازيل والأرجنتين الأقل في عدد السكان، وهما أيضاً على طريق امتلاك تقنيات معاصرة وقابلة للتطور، بشكل يقربها من العالم المتقدم، بينما نحن لا نقترب من التقنيات المتطورة إلا في صيغة الاستهلاك بعد استيرادها مقابل النفط.. أو لاستهلاكها بعد تقديمها في صيغة قروض سياسية بدلاً من أن تتلف في مصانعها أو ينفق على تخزينها ما يزيد عن سعرها!!..

هنا السؤال الصعب، السؤال التحدي: وهو كيف ننتج التقنية المعاصرة، ونشارك في تطور معطيات الحضارة التقنية المعاصرة؟.

هذه هي الجبهة الرئيسية، وهنا العدو الحقيقي! وهو يقبع بشكل أساسي فينا.. ولذلك، لابد من صيغة أخرى نعيد النظر فيها على أعدائنا بأعدائنا ونقلل من الأعداء الوهميين! ونكف عن استعداء الآخرين.. عندئذ يمكننا التقدم على طريق احتواء مبررات قوى الهيمنة الدولية.

وإذا استطعنا أن نبني سياسات وأنظمة اجتماعية، وثقافية قادرة على إجراء هذه المراجعة، فإن إمكانات التقدم على طريق المشاركة، في إنتاج تقنيات العصر ليست أمراً مستحيلاً.

فمن أين البداية؟!..

البداية هي من حيث انتهت الآن الثورةالتقنية الغربية واليابانية والصينية والهندية إي ثورة المعلومات.

فثورة المعلومات تفتح باب التطور التقني الهائل والسهل لكل راغب بدون وجود مواد نادرة كالتي تتطلبها صناعة السيارات مثلاً وصناعة المعلومات لا تتطلب إلا تنمية للقدرات المنطقية في الحوسبة وإيجاد صيغ للتطبيق في احتياجات السوق المختلفة. وهو  أمر يتطلب قدرة ذهنية ومصلحية ذكية لا نشكو من ضعفها.. ولذلك فإن نشر هذه العلوم وتخصيص قسم كبير من الجامعات والمعاهد لها أمر في غاية الأهمية وهو الطريق إلى تعويض ما فاتنا من ثورات تقنية.

والمنطق الحيوي بدأ منذ سنوات في التبلور كمنهج لصياغة المفاهيم في العلوم الكومبيوترية وهذا يعني أن المجال مفتوح لتطورات مثيرة من كل نوع.. ولكن المهم كيف نجد التمويل وأين نجد التطبيق. وكيف؟! مع أن الأمر لا يتطلب ثروات كثيرة.. ويمكن الاستفادة منه في صناعة الاتصالات والأسواق والبنوك وقبل كل ذلك في صناعة الطيران والفضاء. الأمر الذي يجعلها تشارك في نهضة تقنيتها العسكرية في صيغ مدنية.

وهذا ينطوي على مقاربة - أخرى- لموضوع الجيوش والنفقات العسكرية.. التي يجب أن تحول غالبيتها إلى ميدان التصنيع، وامتلاك التقنيات، وبنفسية المحاربين المتحمسين للقضاء على العدو الأخطر.. وهو التخلف التقني.. علينا العمل ليل نهار لتعويض ما فات..

وبالطبع، فإن هذا لا يعني ترك المنطقة فارغة من السلاح حول إسرائيل.. ولكنه يقضي أن نتساءل لمصلحة من ننفق المليارات على التسليح والتجييش في ليبيا والسعودية والإمارات؟ ترى من يهدد اليمن؟ من يهدد الكويت؟ من يهدد الجزائر؟ وتونس والمغرب وموريتانيا؟؟!! وإذا ردت الكويت بأنها مهددة فإن الإجابة الواضحة هي أن كل نفقاتها على الأسلحة فيما مضى لم تؤخر الاجتياح العراقي لحظة.

وأي جيش محلى يستطيع رد التهديدات إذا كانت المواجهة ستأخذ طابع التحالف الدولي؟!.

ترى؟ هل نقول بضرورة حل الجيوش العربية؟! الإجابة بالتأكيد: هي النفي. وهل نقول إن الأنظمة العربية لا تهدد بعضها بعضاً ولا تجتاح الواحدة الأخرى لو أنها عرفت أن أحداً لن يقف لردعها؟.

الإجابة –أيضاً- هي النفي.. إذاً، من الصعب توقع انتهاء سباق التسلح والتجييش في المنطقة لأسباب كثيرة أهمها مخططات مصدري السلاح ومصالحهم، وذيول تدخلات الهيمنة المحركة للأزمات والحروب العربية - العربية، والعربية الإسلامية.

أما الحروب ضد إسرائيل.. فهذه مزحة صهيونية، لا تلجأ إليها عندما تود القهقهة عسكرياً!! وبشكل خاطف!! والغرب لا يسلح جيوشنا لنجتاح إسرائيل، بل لنثبت حدوداً معينة ولفترة معينة ولكي نقتل بعضنا بعضاً وليس لقتل إسرائيل وتدميرها.. أية تقنية نمتلكها بشكل يخل بالميزان الاستراتيجي ستلقى التدمير من الغرب فوراً، ولا بأس من إجراء مقارنة بين ما فعله الغرب والعالم أجمع عندما أقدم العراق على اجتياح الكويت، وبينما يمكن أن يفعله في حالة ما إذا تم اجتياح عربي لإسرائيل؟! إذاً وبصرف النظر عن امتلاك إسرائيل لقدرات عسكرية تقليدية رادعة تعادل كل المقدرات العربية وأكثر، وبالإضافة إلى قدراتها النووية أيضاً التي لا مثيل لها في العالم العربي والإسلامي، ومع كل ذلك فإن أمنها وسلامتها هي على عاتق الغرب.

وهذا قد يشير وبشكل خاطف استغراب القارئ؟ ولكنها الحقيقة المرة، فالحروب العربية – العربية، والعربية الإسلامية أسقطت من الضحايا.. والخسائر أكثر بكثير مما أحدثته الحروب العربية – الإسرائيلية، وامتدت إلى فترة من الوقت تعد بالسنوات!!.. في اليمن وفي لبنان!!.. وفي الصحراء الغربية!!.. وفي العراق وإيران!! ولا وجه للمقارنة بساعات حرب 1967 وأيام 1973.. مع إسرائيل، وهذا مفهوم!

وما لم نضع نصب أعيننا عدونا الأول وهو التخلف التقني وما لم نجييش لهذا الهدف فإننا سنكون مجرد أدوات لاستهلاك قمامات الآخرين.. ولكن تطوير القدرة التقنية والتواصل مع الثورة المعلوماتية يتطلب قدراً كبيراً من حرية التواصل والاستخدام شبه المجاني مع شبكات  "الإنترنت" وهو أمر ترتعد منه أنظمتنا لأسباب بعضها مفهوم واكثر مجرد وهم وغباء.. لأن التواصل الحر مع الإنترنت لن يغير عملياً أي نظام.. مهما كان متسلطاً ولكن التسلط والاستبداد بالفعل هو العدو الأول لكل تقدم ثقافي وتقني حيوي.

هنا المواجهة الأشمل، ومع العدو الأكبر.. أي عقليتنا المتسلطة الأحادية التي تزيد نفي الآخرين، ولنلاحظ - هنا- أن الجيش العراقي لم ينزل خسائر وضحايا بين الجيوش الغربية، وما أنزله على العراقيين المعارضين، ولنلاحظ أن طائراته، لم تخرج في الفترة الأخيرة من الحرب، ولكنها بدأت تخرج ضد المعارضين؟!.

قد يقال: ولكن هؤلاء المعارضين هم تتمة الحلقة التآمرية، لتقسيم العراق وإيقاع مزيد من الدمار فيه!! وبالتأكيد، فإن إسقاط شخص (صدام)، أو على الأقل إضعافه إلى الدرجة القصوى هدف حقيقي تتلاقى فيه مصالح الغرب مع المعارضة.. وأكثر من ذلك، فإن المعارضة لن تلقى الدعم الكافي لإسقاط (صدام)، وربما، يلقي بها لصالح بقاء النظام القائم، في حال سقوط (صدام).

كل هذا صحيح، ومعروف.. ولكن هل كان صمت، هذه المعارضة، خلال السنوات السابقة بمعزل عن استخدام الجيش كقوى أمن داخلي؟!.. ومثل هذا الاستعمال، هل هو بعيد عن كل الأنظمة العربية، في حال تعرضها إلى مخاطر تهديد الحكام بالسقوط؟.

وبالطبع، فإن معظم أنظمة العالم تدافع عن نفسها باستخدام الجيش إن لزم الأمر.. وقوانين الطوارئ هي لتغطية هذا الحق في التدخل!! ولذلك فمجرد وجود هذه القوانين، أو احتمال استخدامها، سيجعل من يفكر في المعارضة مرعوباً مما قد يتعرض له!!.. وما يجري لغيره في المعتقلات، وما جرى للآخرين في المشانق، والإعدامات العلنية والسرية.. والاغتيالات النظيفة!! لا تحتاج إلى ذكر، فهذه تجري، في أعظم الديموقراطيات الغربية، وبكل براءة!! وإن كان بشكل محدود جداً وقابلة للكشف والفضح!!..

من كل ما تقدم، نفهم لماذا تصمت الغالبية العظمى على حكامها.. ومع أننا ضد اعتماد المعارضة على دعم القوى الأجنبية. ولكن الرد سيأتي منها سريعاً ولماذا يحق للأنظمة - فقط- نيل هذا الدعم؟ وبالطبع، لسنا هنا لمناقشة مثل هذه الموضوعات، ولكن حسبنا أن نشير إلى النفقات الباهظة للتسليح والتجييش التي لا معنى له.. وبخاصة في الدول البعيدة عن احتمالات المواجهة.

وإذا كانت ضرورية لقمع المعارضة، وحماية النظام، فإننا نعتقد بأن لا حاجة لاستعمال (مطرقة كبيرة لسحق بعوضة صغيرة).

والضرورة تقضي فوراً تحويل جزء مهم من ميزانية الدولة لقطاع التعليم والثقافة بحيث تعاد صياغته بما يتوافق مع ضرورة العصر عن استخدامها عن تخريج أجيال بسن مبكرة.. وقادرة على استخدام معلوماتها وخبراتها التقنية في أي بقعة من العالم.. ولذلك فإن التركيز على اللغات الأجنبية والتدريب المهني المتواصل والإنفاق على البحث العلمي يجب أن يكون المعيار الحيوي الأول لأية سياسات ثقافية وبدون ذلك سنبقى نحن المطرقة ونحن البعوضة!!

البحث عن تقنية (حقوق الإنسان

لتحقيق الأمن الحيوي!!

وهكذا، نصل إلى العمران السياسي الحيوي القادر، على حل إشكالات الحصول، على التقنية، وكيفية تحييد قوى الهيمنة، وإعادة النظر، بأولويات الصراع، وأهدافه ووسائله لتحقيق الأمن! للمبادرة الحيوية، بدءاً من الأخطار الذاتية، أو الأخطار الخارجية.

وقبل أن نقول كيف؟ يحق لنا أن نتساءل.. عمن يهدد من في العالم العربي؟ بصرف النظر عن المداخلات الخارجية. فماذا نجد؟!!

أول ما يلفت الانتباه، التفاوت في الثروة بين بعض الفئات وغيرها.. وبين بعض الأقطار وغيرها.. وهذا وحده يشكل سبباً كافياً للإغراء بإزالة التفاوت.. ويشكل مصدراً للتهديد، وأزمة الخليج، هي تعبير صريح عن هذه الحالة التي تعيشها الغالبية العظمى، من العرب والمسلمين، المشتتين في عالم شاسع من الفقر أمام دويلات (مكرسكوبية) تحتكر ثروات فلكية.

ونلفت الانتباه، أيضاً إلى حالة التمايز بين المدينة والريف، حيث ما تزال المدينة، حتى في أكبر أحيائها فقراً، أفضل للعيش من معظم القرى، حيث الدخل من الزراعة، وتربية الحيوان، لا تفي، في كثير من الأحيان بأجور الموصلات للنزول إلى المدينة، للتبضع أو للتطبب، أو للدراسة، بالإضافة إلى قسوة العيش وشظفه في القرية، بالمقارنة مع المدينة، فإن أوقاتاً كثيرة تهدر بلا طائل وخاصة إذا لم يكن الجو مشحوناً بجو حرب بين عائلات وعشائر، تبحث عن الثأر والانتقام، من بعضها بعضاً، لأتفه الأسباب!!؟ وإذا لم تتوفر الملاحقة من خارج العائلة، لآخذ الثأر منه فإن إثبات الرجولة والشرف والبطولة تجاه حركة غير متزنة من إحدى بنات أو نساء البيت، ما زالت مصدراً للانشغال وطرد الملل من أجواء القرية!! بل والقرى المجاورة؟! وما دام التفاوت كبيراً بين المدن والريف، وبين أحياء القصدير في المدن، والأحياء المدللة.. 

فلا بد أن نتوقع إشكالات تهدد الأمن الاجتماعي!!.. بسبب طموحات الفئات المهملة الضائعة بين أحياء الصفيح! أو أحياء المقابر! المسكونة فعلاً في القاهرة.. تشكل، هذه الأوساط، مرتعاً للتمرد الاجتماعي والعنف لتسوية أوضاعها عن طريق أية دعوة تسهل لها طريق العنف.

ترى؟ أليست هذه الأوساط التي ظهرت منها أكثر الانتفاضات والفئات الانقلابية والثورية، في العالم العربي؟؟!

وثمة مصدر آخر لتهديد الأمن الاجتماعي يكن في الفروق بين الأقليات الحاكمة، والأغلبية المحكومة، وبين الأغلبية القومية والدينية والأقليات التي تعيش في كنفها!!.. والتي  تشكل المولد الأكبر لمجمل الحركات الاجتماعية المتصارعة حول السلطة الرسمية والنفوذ الشعبي.

وما دام الأمر، كذلك، فإننا دون وجود إسرائيل، ودون وجود قوى هيمنة دولية.. سنكون في حالة أزمات وحروب مستمرة.

ولا سبيل إلى تجاوز هذه الحالة الأزمة، إلا في توفير متطلبات السيادة والكرامة والعيش الكريم للجميع، واحترام الرموز المقدسة للجماعات المختلفة.

وبتعبير آخر، عندما يصبح كل منا سيداً في وطنه، تزول الحروب التي تحدثها حالة النقسام بين سادة و عبيد.. وطبعاً فهذا هدف طوباوي فالفروق و الإختلافات وحتى المظالم والأخطاء والعسف، ستبقى، بشكل أو بآخر!! وهي موجودة حتى في الدول المتقدمة!.

ولكن، ما ينقصنا بالمقارنة معها هو إيجاد طرق قانونية حيوية سليمة فعالة متوازنة للصراع السياسي والاجتماعي والثقافي، لإزالة الغبن، وأخذ الحق بقوة الميثاق الحيوي العربي الإسلامي المقبول اجتماعياً بوصفه دستوراً ملزماً للمواطنة أهم تقنية يمكن لنا أن ننجزها.. توفير مستلزمات الكرامة والحرية ومشاعر السيادة للجميع.. ليشعروا أنهم في ديار العرب والمسلمين يحظون بأكبر قدر من الاحترام والحصانة، حتى وإن كانوا غير عرب، وغير مسلمين.

هذه التقنية الحيوية التي تضمن (حقوق الإنسان) لا يمكن أن تحقق في ظروف الفقر والتخلف والهيمنة، وهنا المشكلة مدورة ومقفلة، فلإزالة حالة الدونية والتبعية والتخلف، علينا مقاومة العقلية الأحادية والعنصرية فينا أولاً، وما دمنا في حالة أزمات وهزائم، فإن صيغ التعبير العاطفي العصابي هي الوحيدة المتوفرة والمعبرة عن حدة مشاعرنا.

ومع أننا كررنا هذه الأفكار في معظم الصفحات السابقة، إلا أن مبرر ذكرها - هنا- يعود إلى حاجتنا لقرع باب الاجتهاد، والإبداع، الذي يجعل من لديهم قدرة إبداعية، يأخذون الطريق المشجع السهل لتمكين التزامهم بالعمل الحيوي على بلورة طاقاتهم بشكل قادر على ردم الهوة التي تفصلنا عن الغرب المتقدم. فهنا الجبهة الأكبر والمعركة الأكبر.. وتوفر هذا الحافز.. يغني ويعوض نقص الإغراءات المادية التي يلقاها أمثالهم في الخارج.

إن معظم خبراء البناء والتسلح الذين يأتون إلى بلادنا، ويخرجون بصورة سلبية عن حقيقة مشاعرنا العدوانية تجاه بعضنا وتجاه العالم.. يذهبون لتزويد مراكز الاختصاص، بما يلزم لإحكام السيطرة ضدنا.. لضرب وتخريب ما لدنيا من قدرات.. حتى وإن كانوا هم الذي بنوها.

ولذلك، فإن سبل امتلاك تقنية العصر، وإن كانت ممكنة جزئياً عن طريق استقدام الخبرات الأجنبية، والحصول على بعض المساعدات، من الدول الصديقة.. إلا أن هذه الخبرات لا يمكن أن تكون إيجابية ، في أعماقها، ولا يمكن ضمان استمرارها بفاعلية.. وبخاصة، إذا كانت مرتبطة بحكومات قابلة للسقوط عند كل دورة انتخابية. أما الصداقة مع الحكومات غير المرتبطة بدورات انتخابات.. فمصيرها أسود.. لأن مصيرها يخضع لمزاج الفرد الحاكم.

لذلك، فإن سبل امتلاك التقنية، لا يمكن أن تكون إلا من خلال موقع يفرض احترامنا وحقوقنا على قوى الهيمنة.

وهذا الاحترام، لا يمكن أن يؤخذ من مواقع الاستجداء، ولا من مواقع الحوار المهذب الذي يشترك فيه ممثلون عن الأنظمة العربية، يعرف الغربيون أنهم ومحاوريهم لا يمثلون أحداً وأن هدفهم هو السياحة والاستجمام أولاً.. وجلب بعض التسهيلات في استرداد ما يلزم لإنقاذ أنظمتهم ومنعها من السقوط!!.. ولكن من أين الطريق؟! أما من سبيل آخر؟!

الإجابة، ومرة أخرى: نعم، وذلك من خلال السعي لبناء الذات بناءً حيوياً قادراً على مواجهة التحديات البيئية والسكانية والاقتصادية والثقافية والتقنية والعسكرية والدفاعية.

وبالطبع، فإن مصاعب أي حل تكمن في سيادة عقلية المصالح الأحادية القطرية. وهي مصالح يمكن أن تتضاءل مع ازدياد الحاجة إلى تكتلات اقتصادية سياسية تستطيع المشاركة في النظم الاقتصادية والسياسية العالمية الآخذة بالولادة في العالم، كالوحدة الأوربية، التي ستنتهي معها مبررات التناحر على الأسواق العربية.. وفرض حالة الانفصال، لاحتكار هذا السوق وإغلاقه بوجه قوى أخرى.

كما يمكن أن يؤدي زوال الحرب الباردة، وتدشين مرحلة التعاون، بين دول الشمال.. إلى صيغ جديدة للتعاون مع دول العالم الثالث والجنوب عامة. تجعلها تدخل في صيغ تنتفي -معها- الحاجة إلى الحدود المفروضة، بشكلها الحالي، سواء في العالم العربي أو غيره. الأمر الذي قد ينهى الكثير من الأزمات التي كانت تفتعل لمصالح الهيمنة الدولية فقط.

وبالطبع، فإن الاتجاه نحو (المنطق الموحد للشكل الحيوي)، لن يكن له طريق واحد. ولا صيغة واحدة، ولن تتخلى قوى الهيمنة عن مصالحها الأحادية، ولكنها ستضطر إلى إعادة النظر فيما لا يلزم من مظاهر العسف والظلم والطغيان، التي تساهم في تكريسها دون مبررات، أو فوائد عامة.. بل قد تكون ذات مفعول عكسي مدمر.

من هنا، فإن البرمجة الحيوية الثقافية والتقنية ستبقى في كل الأحوال من خلال مجمل البناء الحيوي بشكل أكبر من الواقع.. الذي يحولها من مبادرة حيوية نظرية.. إلى مبادرة عملية قادرة على الإقلاع شعبياً ورسمياً في ساحة معينة من الديار العربية والإسلامية، وفي كل ساحة فإن أهلها أعرف بشعابها، هذا يقودنا -بالضرورة- إلى أن نعرف سمات العمل السياسي الممكن لتحرير المبادرة الحيوية انطلاقاً من ظروف الهيمنة الدولية والصهيونية والأنظمة المحلية.

الميثاق الحيوي للاسلام السياسي  

http://www.damascusschool.com/page/4.htm

حيوية الذات والاخر

http://www.damascusschool.com/page/4_1.htm

 المبادرة الحيويه داخليا

http://www.damascusschool.com/page/4_2.htm

المبادرة الحيويه خارجيا 

http://www.damascusschool.com/page/4_3.htm

نحو المستقبل الحيوي

http://www.damascusschool.com/page/4_4.htm

 

 
حافظ الجمالي محمود استانبولي محمد الراشد جلال فاروق الشريف جودت سعيد روجيه غارودي
بيير تييه رنيه شيرر اوليفييه كاريه مفيد ابو مراد عادل العوا وهيب الغانم
اتصل بنا من نحن جميع الحقوق محفوظة لمدرسة دمشق المنطق الحيوي 1967 - 2004