الحيوية  الاسلاميه بين الذات والآخر

- الحيوية الإسلامية وحقوق الإنسان  ***   الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي؟  *****   نحو المواطنة الحيوية في ديارالعرب والمسلمين    

الولايات الحيوية العربية الاسلامية المتحده  ***  مشكلات الاقليه والاغلبيه *** التعددية االسياسية في الميثاق الحيوي  *** الفقه الحيوي الناصر ***الامام الحيوي جمال عبد الناصر_دبكة الصعايدة ***         دبكة القرداحه ****   دبكة تكريت ودبكة سرت 

نحو الإقليم الحيوي القادر على السير نحو الوحدة..   ****  قاعدة ا سامة بن لادن: جهل فوق جهل الجاهلينا

 

    الحيوية الإسلامية وحقوق الإنسان:

إذا سألنا ما هو هذا الاتجاه الحيوي؟ وكيف يتجلى في ديار العرب والمسلمين؟ فإن الإجابة، لم تعد صعبة على الكثيرين، لأنها، وانطلاقاً من فقه المصالح الحيوية، واعتماداً على هندسة المنطق الحيوي فإنها- بالتأكيد- ستنطلق من ضرورة تجاوز المعايشات الأحادية والعنصرية، وتجوز السياسات والأفكار والتي تتحوى حول مصالح أحادية..

لذلك، فإن الحل- بداهة- هو في اتجاه حيوي عربي إسلامي يكون عندما نعيش العروبة من منطلق حيوي. لأنها ستتجاوز كل الصيغ العنصرية القومية التي يمكن أن تعاش بهذا الشكل، أو ذاك، وعيناً ذلك أم لا.. مثلنا في ذلك مثل سائر الفئات القومية في العالم الإسلامي، التي تنغلق على مصالح قومية ضيقة، لم يعد لها ما يبررها.

كما أن عيش الإسلام من منطلق حيوي، يعني تجاوز كل الصيغ العنصرية الطائفية، فهذه الصيغ الطائفية يمكن أن تعاش، بهذا الشكل، أو ذاك، وعيناً ذلك أم لا.. وفي ذلك تتساوى جميع الفئات الطائفية في العالم الإسلامي سواء أكانت من داخل الإسلام أم في خارجه.

والاتجاه الحيوي العربي الإسلامي، هو اتجاه دخول العصر، وتجاوز مبدأ الجوهر، وهو اتجاه تجاوز سياق الأزمات والهزائم الناجمة عن العقلية الأحادية.. فدخول العصر، لا يمكن أن يتحقق- لنا- طالما تعشعش فينا اتجاهات عنصرية. قومية.. أو دينية، وهذه الاتجاهات لا تشكل خطراً حقيقياً على قوى الهيمنة الدولية، بل تشكل خطراً علينا، أولاً وأخراً، يتجلى بتثبيتها في قرون الانحطاط، وتكريس الأزمات، وتحريكها، باتجاه مزيد من الحروب الأهلية التفتيتية، والهزائم أمام قوى النفي الغربي والصهيوني.

وهذه الاتجاهات تشكل ذرائع سهلة لاستمرار سياسة العداء العالمي ضدنا، وخاصة من قوى الهيمنة الدولية، التي تعمل لإخضاعنا، إلى مزيد من الاحتلال لنهب ثرواتنا.

ولذلك، فإن أية مبادرة لتجاوز الأزمات، ومواجهة قوى الهيمنة الدولية والعدوان الصهيوني التوسعي، يتوجب أن تؤكد أولوية محاربة قصورنا الذاتي، المتمثل بسيادة النزعة العنصرية، والعقلية الأحادية المغلقة وفي معايشاتنا الطائفية والإقليمية على المستوى الداخلي، وأفكار الغزو والأسلمة والتعريب على المستوى الخارجي.. ومن أن هذه النزعات هي، في جزء منها، تمثل ردة فعل عاطفية، ضد الهزائم التي تقودها قوى الهيمنة الدولية، التي تستمد، هي الأخرى، لغة عنصرية قومية ودينية، تجد تمثيلها الأفضل في الصهيونية.

نقول: مع أن هذه النزعات، هي ردة فعل، على قوة الهيمنة، وعلى الأنظمة التي تأخذ صيغ أقليات قومية، أو دينية، أو طائفية أو قبلية أو جبهوية في معظم الأحيان ومفرطة في عقليتها الأحادية، ولكن، وبصرف النظر عن هذه المحرضات فإن هذه النزعات لها أساس، عميق جداً، في تاريخنا، ومعايشاتنا، ومعطيات المراحل الاجتماعية، التي ورثناها وما تزال تنيخ بكلكلها علينا.

ولا يجوز الكذب والمجاملة وتسطيح المشاكل.. لأن هذا سيؤدي إلى تكريسها والوقوع في شباكها.. لكل من يريد استسهال الصيد، لدواع سلطوية انتهازية وصولية، تستهدف السلطة، كسدرة للمنتهى، وهذه الأنماط العقلية الأحادية لن تكن معوقاً داخلياً عن النهوض فحسب، بل أيضاً، ستجعل العالم كله يقف ضدنا في أية خطوة نخطوها إلى الأمام، إلا إذا كانت باتجاه نطح الجدران، كالثيران العمياء أو العجول الهائجة، وضمن هذا الاتجاه الجوهري، لن يكتب- لنا- أية صيغة لامتلاك تقنية اقتصادية أو قدرة عسكرية إلا إذا كانت تؤدي إلى تخفيف الكساد في منتجات الغرب، وتؤدي إلى استهلاك فائض القدرات، التي يمكن مراكمتها في هذا القطر أو ذاك.

واستهلاك الفائض المتراكم يمكن أن يكون بفتح الخزائن الغربية من إعلام، وأسلحة تحرض هذه السلطة، أو تلك، لكي تعبر بصوت عال عن عواطف الجماهير المطالبة بتعريب العالم وأسلمته؛ والإجابة ستكون بسيطة وسهلة طالما أن الملاقط الإلكترونية تنظيف الغبار المثير للشغب جاهزة في الجيوش الغربية.. وبسرعة (عاصفة الصحراء)..

ترى متى نقطع الطريق أمام هذه المصائد؟ حتى ننزع من واقعنا الجانب الانحطاطي من مورثنا وواقعنا.. ونزيل مبررات سيادة العقلية الأحادية.. والممارسات الجوهرية العنصرية الديالكتيكية، لا بين العرب والبربر، أو العرب والأكراد، أو بين الشيعة والسنة، أو بين الإسلام والمسيحية.. بل بين العشيرة والأخرى ضمن الطائفة الواحدة، وبين العائلة والأخرى في العشيرة الواحدة والقرية الواحدة.. وبين القرية والأخرى، والمدينة والأخرى، والإقليم والآخر.. الخ.

هذه الممارسات موجودة عند غيرنا، طبعاً، وليست خاصة بنا، ولكنها في واقعنا تمثل رمزاً للتخلف، وأهم عوامل استمراره، والعجز عن اللحاق بالعصر، ودليلاً لأزماتنا السابقة واللاحقة، وتبريراً لكراهية العالم لنا.. ولكرهنا لأنفسنا.. وللتكدس كالذباب أو لنصب المصايد لأنفسنا بأنفسنا.. ولاجترار الهزيمة تلو الأخرى، بحيث لا يبقى لنا سوى كراهيتنا لأنفسنا وانعدام الثقة بقدرتنا، على الخروج من هذه الأجواء، وترسيخ أجواء الهيمنة والبحث عن سبل النفاق، والارتزاق للأنظمة التي ترعى مصالح قوى الهيمنة.

ولذلك، لا بد من مدخل آخر، نحو مواجهة قوى الهيمنة الدولية، ابتداء من مواجهة ركائزها فينا، وهذا يتطلب تجذير اتجاه حيوي، في ديار العرب والمسلمين، يسمح لغير العرب ولغير المسلمين المقيمين في ديارنا، أن يكون لهم الحقوق والواجبات الحيوية نفسها، التي ينالها أي مواطن يقيم في أمريكا ويحمل الجنسية الأمريكية بعد إقامة خمس سنوات فقط!! أو على الأقل أن تكون له حقوق أي مهاجر مقيم في السويد ولا يحمل الجنسية السويدية؟ ألا يجوز لا أن نتساءل لماذا يستطيع العربي والمسلم بمجرد حصوله على بطاقة جنسية أو إقامة في الدول الغربية أن يحصل على حصانة دستورية لا ينالها في بلده الأصلي حتى ولو كان من المقربين من السلطان.

ولماذا لا يكون ساكنو ديار العرب والإسلام ، قادرين على التعايش دون قهر، ودون عقلية الجزية، ودون وجود مواطن من الدرجة الأولى يضع الأقليات والإغلبيات في الدرك الأسفل؟..

وأية سلطة لا تحمل هدفاً عاماً يجعل الاتجاه الحيوي عاماً في الديار العربية والإسلامية، فإنها ستكون تكريساً للانحطاط والأزمات والهزائم.

هذا الاتجاه الحيوي يجب أن يتبلور بميثاق حيوي تقبله الغالبية العظمى.. إذاً، لا مجال لطلب موافقة الجماهير على تجاوز النزعات العنصرية، بشكل هوائي طائر، فهذا محال.. وحتى لو أن الجماهير صوت كلها على تجاوز العقلية الأحادية.. فإن مجرد التصويت بـ نعم على ورقة تعد بتجاوز العقلية الأحادية يبقى اسهل من التصويت بنعم في الممارسة اليومية وفي مجالات الحياة العملية، فالعقلية الأحادية ليست فقط بين الاتجاهات الفئوية القومية والعشائرية والعائلية.. والدينية والإقليمية المختلفة التي وصلت إلى كل قرية وإلى كل مدينة في ديارنا.. بل توجد حتى ضمن كل أسرة، بين الرجل والمرأة، بين الكبار والصغار، وبين الأخ وأخيه. إننا لا نطلب تحقيق إنسانية المرأة والطفل دفعة واحدة، ولا نطالب أن تكون معاملتنا تجاه بعضنا بعضاً تتسق كلياً مع صيغ حقوق الإنسان، التي يطبقها الغرب داخل مجتمعه.. بل على الأقل، أن نطبق على أنفسنا علاقات توفر لنا حقوق الحيوان التي يوفرها الغرب لكلابه.

هذا الاتجاه الحيوي.. عندما يصبح تياراً سائداً في ديار العرب والمسلمين فإن بقاء أقلية غير حيوية، لا يشكل عقبة كبيرة بل ربما يشكل حافزاً إضافياً لاستمرار صياغة المبادرة، وتقوية الاهتمام بها لتصبح اتجاهاً حيوياً عربياً إسلامياً شاملاً.

وبالطبع، فإن مثل هذا الاتجاه الحيوي ليس غائباً كلياً عن معايشاتنا، وعن قيمنا وعن تراثنا الحيوي، ولكنه مغيب، في جملة من صيغ النفاق الاجتماعي يجعل من هذه القيم مجرد رموز، بلا إسقاط واقعي عميق وقابلة للتحطم عند أول صعوبة.

والمشكلة ليست في الناس العاديين أو في القوى السياسية الفاعلة في السلطة أو المعارضة بل تكمن أولاً وأساساً في أن الأغلبية رهينة هذه العقلية.. الأمر الذي يجعلها وقوداً- احتياطياً- لا ينتهي- لحروبها المهزومة، والمصيبة أنها بصمتها تظن أنها بعيدة عن السياسة ومشكلاتها وألاعيبها.. بينما، هي في الحقيقة، اللعبة الأسهل إدارة والأرخص كلفة، إذ يكفي إيجاد وحماية محطة راديو وتلفزيون.. لإذاعة الأناشيد المحرضة وتوفير إمكانات معتقل صغير لسجن غير المقتنعين؛ إذا لم تنفع لعبة تمرير رجال النظارات السوداء أمامهم، لإرعابهم، ووضعهم في ساحة اللعب كما يشاء لهم.

ولذلك، فكلمة حيادي، وكلمة غير سياسي أو غير مهتم بالسياسة، هي، في الحقيقة لا تعني كلمة غير إعلان الاستسلام والخنوع، والاستعداد للانحراف حسب ما يريده الآخرون، أعجبنا ذلك أم لا. ولذلك فإن أول ما تقتضيه المبادرة الحيوية.. هو البحث عن الاتجاه الحيوي، وهو في ديارنا اتجاه حيوي عربي إسلامي

 

ما هو الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي؟

 

ولكن ما المقصود بالاتجاه الحيوي العربي الإسلامي؟ بالتأكيد ليس حزباً أو فئة ذات صيغة وجود تنظيمي أحادي، وليس برنامجاً سياسياً لا بديل له.. وأكثر من ذلك، ليس مختبراً للتدقيق في السلالة العرقية والقومية والطائفية، وليس جهازاً لكشف الكذب أو الإيمان، أو جهازاً لتسجيل وفرز الناطقين بالضاد عن غيرهم.

إن الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي. هو الذي ينطلق من أن العروبة كما وصفها النبي الحيوي الأعظم محمد (ليست بأب أحد منكم ولا أمه).. (بل هي اللسان) كما أن الإسلام هو التسليم بضرورة نشر وتحمل مسؤولية العدالة والتوحيد في المجتمع الإنساني. وغير ذلك من تفاصيل وطقوس فيها من الجوانب الإيجابية الحيوية، أكثر من السلبية، فما لو وضعت في إطار نظام سياسي حيوي. وبهذا الإطار فإن الهوية الحيوية للعروبة لا تؤخذ من الانتماء الولادي بل من التزام قضايا العرب الحيوية والدفاع عنها، وما أكثر المدافعين من غير العرب عن قضايا حيوية عربية، والشيء نفسه نقوله عن الهوية الحيوية الإسلامية، فهذه لا تؤخذ من الختان، وإعلان الإيمان بل من التزام قضايا المسلمين العادلة، قضايا الإنسان العادلة، حيثما كان، وكم أناس من غير المسلمين، هم أفضل، وأكثر تضامناً ودفاعاً، عن مصالح ديار العرب والمسلمين، من الذين ينامون ويستيقظون على قراءة القرآن، حتى صلاة الفجر.. حاضراً..

ومن أجل ذلك يتوجب إعادة النظر، بشكل نقدي، في مفاهيم المواطنة ضمن الهويات الفئوية القومية المعيشة سواء أكانت عربية، أم إسلامية، أم كردية، أم فارسية، أم تركية، أم بربرية، (لتصبح مواطنة حيوية عربية إسلامية) تتجاوز- دون نفي- المفاهيم الدينية للإسلام وغير الإسلام، وذلك باحتوائها في اتجاه سياسي جماهيري يوظف الدلالات الإيجابية لإقامة وطن مشترك يأخذ هويته من المصالح المرسلة للأغلبية العربية الإسلامية دون دخول في التفاصيل والحيثيات الدينية. ولكن بإحلال دلالاتها الاجتماعية والثقافية والسياسية والتاريخية الأكثر حيوية وملائمة لمصالح العيش المشترك لغير العرب ولغير المسلمين في الداخل والخارج والتي ستبقى لنا أفضل ما ورثناه عن مرحلة منطق التعايش الصوري العربي- الإسلامي- ليحتفظ بالإسلام رابطة ثقافية تاريخية وطنية حيوية. (وبالعروبة رابطة لغوية) حاكمة للتواصل حتى بين المجموعات غير العربية التي تعيش في العالم العربي والإسلامي بسبب شيوعها من خلال القرآن.. ضمن هذه الاعتبارات الحيوية الضرورية الفعّالة على المستوى السياسي على الأقل فإن غير العرب وغير المسلمين يجب إعطاؤهم صفة المواطنة دون نفي لتراثهم

هذا هو الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي، الذي ندعو لإحلاله رأياً عاماً موجهاً وميثاقاً ملزماً دستورياً

 نحو المواطنة الحيوية في ديار العرب والمسلمي

وهنا لا باس من التوقف مجدداً عند مفهوم الإسلام كجنسية سياسية حيوية أو صفة للمواطنة في الدولة، أو الرعايا، في الديار العربية الإسلامية.

ولنؤكد بوضوح لغير المسلمين وقبل ذلك للمسلمين أنفسهم بأننا لا ننفي البعد الديني أو الإيماني لمن يريده، والمواطنة الحيوية الإسلامية لا تتوقف على المؤمنين!! فالإيمان ليس هو الإسلام تحديداً وهذا واضح في القرآن بشدة { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} (الحجرات 14)، وفي إحياء علوم الدين لغزالي (إن الشرع لا يفرق بين المنافق والمؤمن من حيث الحقوق والواجبات، وإنما التفريق بينهما يكون يوم القيامة حيث يذهب المنافق إلى جهنم والمؤمن إلى الجنة) وقد وردت- أيضاً- فـي ص 46 من قاموس التراث (هادي العلوي) الأهالي 1988.

وهكذا، إن مسألة الإيمان، حتى في مرحلة منطق جوهر التعايش الصوري الذي شهد عظمة الإسلام وانتشاره الرائع! بقيت (صورية) المهم فيها  أن تسمح بقيام صيغ تحوي اجتماعي وسياسي توحيدي شامل، لذلك، فإن رمز التوحيد الرسمي كان النطق بالشهادتين، أي الاعتراف بوحدانية الله.. وهذه لم تكن إشكالاً حقيقياً لأحد.. أما الاعتراف بنبوة محمد فإنها كانت خلافية، على المستوى النظري بالنسبة لغير المسلمين، أما على المستوى السياسي فإنها لم تكن خلافية. طالما أن الاعتراف، بالنبوة المقصود به، علمياً هو إقامة النظام التوحيدي الأشمل من خلال الإسلام السياسي، للأراضي التي تستطيع فتحها جيوش الخليفة وبعض هذه الجيوش كان مسيحياً في بلاد الشام!! ومن هذه الجهة فإن المسيحي لو أعطى ولاءه لقيصر الإسلامي (الخليفة) فإن ذلك لم يكن يتعارض مع المسيحية على المستوى الديني والنظري، وطالما أن المسيح نفسه يقول [أعط ما لقيصر لقيصر] والحكم الإسلامي لم يكن يطلب أكثر من ذلك بالنسبة للمسيحيين فهي دولة القيصر العربي.. وهو أفضل من قيصر الروم! وإعطاء صفة المواطنية لديار المسلمين ليس أمر غريباً عن التاريخ الإسلامي ولا بأس من التوقف عند خبر مشهور في مصادر السيرة عن أمر (سرية) الذي بعثه النبي فقتل رجلاً من المشركين كان قد نطق بالشهادتين، ولما حاسبه النبي برر فعلته بأن القتيل لم ينطق بها رغبة في الإسلام، وإنما للتخلص من القتل، فغضب النبي ورد عليه: "هلا شققت عن قلبه".

وهكذا فإن الإقرار بالدخول إلى الإسلام ونيل صفة المواطنة فيه كان يعبر عن ضرورات منطق جوهر التعايش الصوري.. ويلاحظ (هادي العلوي) بحث، أن هذا الاتجاه يمكن أن يعبر عن خطة ما لتوسيع رقعة المجتمع الإسلامي بإعفاء الداخلين فيه من شرط الإيمان () ومن الواضح تماماً هنا أن النص على قبول صفة المسلم غير المؤمن قد أعطى فرصاً فسيحة للانضواء تحت لواء المجتمع الإسلامي، ويمكن أن نشهد دليلاً على ذلك إسلام الجزيرة العربية بعد فتح مكة.

(إذ يصعب الزعم بأن ذلك الانضمام الجماعي للقبائل والجماعات والأفراد الذي تلاحق في بحر عام كان نتيجة إيمان مفاجئ نبوة محمد بقدر ما كان يعبر عن اندفاعات مختلفة الأهداف وجدت في سعة أفق مؤسس الإسلام ومرونته العالية مفتاحاً للارتباط بالحدث الكبير الجديد).

وهذا الحدث لا يوضح الكاتب منظومته المنطقية الصورية، ولا يستطيع ذلك لكونه أسير خلفية ماركسية، ولكنه يتضمن حدساً نقدياً حيوياً يشير إلى قدرة العرب على الارتقاء من الجوهر النافي الديالكتيكي القبلي المتناحر إلى الجوهر الصوري، الذي يجمع العرب وغير العرب، بإطار يتجاوز الاختلاف القبلي والطائفي، واللغوي والعرقي، ويشكل إطاراً سياسياً يوظف إلى الحدود القصوى إمكانات، العصر آنذاك، لتحقيق ترابط يقوم على رمز جوهر التعايش الصوري، الذي كان يتجسد بهيبة الخليفة، (أمير المؤمنين) أو (الإمام العادل).. الخ.

للشيخ (أحمدكفتارو) متي سورية قراءة حيوية بتجاوزه لرابطة الإسلام الطقوسية والتركيز على رابطة الإيمان النفسية، وينطلق من آية { إنما المؤمنون أخوة} ليؤكد أن الأخوة لا تتطلب وحدة طقوس، أو تراثية، بل وحدة في الاعتقاد بوجود خالق الكون، أو بوجود مثل أعلى يجب الجهاد والنضال لبلوغه، أو نصرته، وهذه الرابطة تشمل كل المؤمنين في كل الأديان.. وحتى الملحدين!! الذين يعتقدون بوجود مثل عليا سامية وبوجود قوة خالقة حتى لو سموها طبيعية فهي قوة الخالق!! والاختلاف- هنا- لفظ فقط.. وكان الشيخ (نديم الجسر) أكد ذلك من قبل في (قصة الإيمان).

وبالطبع، فإن تلك الفترة كانت ستشهد، بالضرورة، إعطاء امتيازات مطلوبة للأكثر اتساقاً مع النموذج الإسلامي، الحاكم نظرياً وسياسياً، ولكن، قبل ذلك،؟؟؟ انتمائهم القبلي، وكان ذلك، سيستدعي، بالضرورة، تهميش محاولات التشويش النظري والديني، والدفاع عن الرمز السياسي (الخلافة). ومن هنا فإن مفاهيم الجزية، الذمية، كان لها ما يبررها اجتماعياً وسياسياً. قبل أن تكون لها مبررات نظرية دينية، وهذه المسألة يمكن فهمها ضمن منطق جوهر التعايش الصوري، الذي سمح (لأرسطو) اعتبار العبيد حالة مشروعة وطبيعية، فالعبيد والجواري لم يكن الإسلام يذهب عنهم هذه الصفة، إذا أسلموا، ولكن كان يعطيهم حظوة أكثر للانعتاق!! وفي الحقيقة فإن غير المسلمين بالمعنى الديني الصوري كانوا يمثلون الجهة الأضعف سياسياً ولكنها ليست المغلوبة اجتماعياً بالضرورة! فالمسيحيون واليهود كانوا يعيشون في المدن ويحتكرون مؤسسات ثقافية ومادية وحرفية لا تسمح للمسلمين، فتجارة الذهب والربا والخمر كانت مسموحة لغير المسلمين فقط وكانت مفاهيم الذمية والجزية، تهدف إلى تكريس الإضعاف، بحدود الإجراء الصوري، كالتسمية ودفع بعض المبالغ باسم الجزية، بينما كان المسلم يدفع أكثر منها- ربما- باسم الزكاة، وهذا الضغط الصوري يجب أن يفهم ضمن ضرورات أمن الهيمنة السياسية الإسلامية الموحدة، وليس من أجل الضرورات النظرية الإيمانية، أو الدينية البحتة..؟

ولتأكيد ذلك، حسبنا الوقوف لحظة، عند صيغ التعامل الجوهري الصوري الإسلامي مع قبائل المسيحيين العرب، في بلاد الشام.. الذين أبوا دفع الجزية، لما فيها من معنى الخضوع السياسي، بينما هم في واقع الأمر، قبلوا المشاركة في مد السلطان السياسي، لجوهر التعايش الصوري العربي الإسلامي، وذلك لا يتنافي –أساساً- مع مسيحيتهم، بل أكثر من ذلك يساعد على الانتصار لنظريتهم الوحدانية للمسيح، والتي كان البيزنطيون يضطهدوهم لأجلها! منذ مؤتمر (خلقدونيا) ومن أجل احتوائهم الرحماني ضمن منطق جوهر التعايش الصوري العربي الإسلامي، رفعت عنهم الجزية وأخذت باسم الصدقة أي الزكاة (وقد سوى أكثر الفقهاء جزية بني تغلب بالزكاة في أحكامها فيما بعد. وقد رأى فقهاء الحنابلة والشافعية أن الأمر فيما يتصل بالجزية يعود إلى تقدير الإمام نفسه، إذا كان قوم غير مسلمين لهم قوة وشوكة وامتنعوا عن أداء الجزية.. إذا صولحوا على ما صولح عليه بني تغلب.. إذا كان المأخوذ منهم ما يجب عليهم من الجزية وزيادة قياساً على ما فعله عمر مع نصارى بني تغلب).

(ونصارى العرب ويهودهم ومجوسهم من بني تغلب وغيرهم لا جزية عليهم ولا بذلوها، ويؤخذ عوضها زكاتان من أموالهم) المرجع السابق.

وهذه الحالة واضحة جداً، وتقطع دابر النقاش حول المنظومة المنطقية الجوهرية الصورية! التي تتحكم فيها وتحكم لها.. فالعرب نصارى ويهوداً ومجوساً يجب ألا يشعروا بالإهانة، والإضعاف ويجب أن يفتح لهم الباب- صورياً- لكي يتآلفوا مع الإسلام. الذي دشنه القرآن، والنبي أساساً (بالمؤلفة قلوبهم) وهكذا فإن الأموال المدفوعة، من الحكم الإسلامي تأليفاً للقلوب، أو المأخوذة جزية أو زكاة لها هدف واحد.. هو هيمنة منطق جوهر التعايش الصوري العربي الإسلامي إلى أبعد مدى ممكن من الأرض، وبالطبع فإن ذلك لم يكن متروكاً دون ضوابط نظرية ودينية، بل كان يتطلب تحديداً يسمح للخليفة أو الوالي بالتصرف به ضمن معطيات المرحلة والمنطق المطلوب عيشه.

وبما أن المطلوب هو إيجاد كتلة سياسية، تضم أقصى إمكانات التوسع والتوحيد والتفاعل الحيوي، بين مختلف الشعوب والأقوام والأديان واللغات، لذلك فإن النظرة إلى الاختلاف، يجب أن تكون ضمن سياسات (الاحتواء الرحماني التوحيدي) وقد عبر عنها (أبو حنيفة) بشكل رائع في رسالته (العالم والمتعلم) حيث رأى (أن الله عز وجل إنما بعث رسوله رحمة ليجمع به الفرقة. وليزيد الألفة ولم يبعثه ليفرق الكلمة ويحرف الناس بعضهم على بعض)،

(أن رسل الله لم يكونوا على أديان مختلفة ولم يكن كل رسول منهم يأمر قومه بترك دين الرسول الذي كان قبله لأن دينهم كان واحداً).

ولذلك قال الله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة.

هذا الاتجاه السياسي الإسلامي يعبر بوضوح ودقة عن إمكانات الاختلاف النظري ضمن وحدة الصورية السياسية، ويقطع دابر السفسطات التناحرية سياسياً ونظرياً واجتماعياً..

ضمن هذا الإطار يمكن فهم الاختلاف بين المسلم والذمي، ضمن الديار العربية الإسلامية بوصفها معاً ينضمان إلى (أمة إجابة) لنداء التوحيد السياسي. (من آل دار الإسلام)، (لم مالنا وعليهم ما علينا).

مع استثناء يخص المسائل الدينية وما يتصل بها، يقول (السرخس) الفقيه الحنفي في تعليل ذلك إنهم قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم وحقوقهم كأموال المسلمين وحقوقهم، ولأن الذمي كما يقول السكافي (من أهل دار الإسلام) فمن حق الذمي أن يتولى مناصب عامة في دار الإسلام كالمسلم مادام مؤهلاً، إلا ما اتصل بالإسلام نفسه، من مثل الخلافة، أي الإمام، أو الإمارة على الجهاد. والجهاد دعوة إلى الإسلام بمختلف الوسائل، فلا يتصور أن يترأس غير المسلم دعوة للإسلام (وما عدا ذلك فإن للذمي كل منصب آخر من مثل الوزارة أو قيادة الجند في قتال البغاة.

طبعاً، توجد سيول من الفتاوي التي توضح عقد الذمة وفقهه والاختلاف في ذلك أكبر من الاتفاق معه، بحسب المصلحة التي يعيشها المفتي.. وسلطانه. ولكن قبل ذلك بحسب منطق المرحلة.

ويمكن التوقيع بأن تكوص مستلزمات منطق جوهر التعايش الصوري، إلى منطق الجوهر العنصري التناحري السفسطائي طائفياً وقبلياً سيجعل الفتاوي بالحروب بين الطوائف الإسلامية نفسها عملاً مقدساً.. فكيف الحال مع غير المسلمين.

ولذلك، فإننا - هنا- لا نريد التوقف عند اللحظات المرنة السمحة التوحيدية في صيغ التحوي الإسلامي، لندلل على الأهمية التي أعطيت في هذا الظرف أو ذاك لغير المسلمين.. ولنسترجع هذا النص النظري المرن، أو ذاك، فهذا عمل سهل واستمراء مجاني.. للذات، وتجاوز طوباوي لقرون التقهقر العنصري والطائفي، ولكننا نريد أن نقول أن مفهوم (الآخر) كان يتميز بمستويين كبيرين.. الأول يتعلق بالآخر ضمن ديار الإسلام.. (والآخر) الذي يجب أن تمتد إليه دار الإسلام، وبالنسبة لـ (الآخر) الداخلي فإن الأساس فيه كان الولاء السياسي للخلافة ولم يكن الاختلاف مصدر رحمة فحسب، بل كان أيضاً مصدراً لجزية أكبر!! وارتياح أكثر!! ولذلك فإن الجزية كانت تؤخذ حتى من الذين دخلوا الإسلام بين بربر الغرب وأكراد المشرق في العهد الأموي وعندما رفعها (عمر بن عبد العزيز) قال له أعوانه: إن الخزينة ستنقص فقال: إن الله أرسل محمد هادياً وليس جابياً.

وبالطبع فإن لحظة عمر بن عبد العزيز لم تكن المهيمنة دائماً، ومع ذلك، بل ولأجل ذلك، لم يكن غريباً أن يبقى المسيحيون هم الأغلبية حتى القرن الخامس الهجري في بلاد الشام. ويعلل- رضوان السيد- ذلك لازدياد (الضغط والإكراه على المسيحيين بسبب الحروب الصليبية وفرض الإسلام عليهم والتضييق بالمزايا والحقوق على من رفض ذلك).

وهذه الحالة السلبية استمرت في الازدياد وأدت إلى انحطاط العالم الإسلامي من منطق جوهر التعايش الصوري إلى منطق جوهر التمييز العنصري! الذي ازداد حدة في المرحلة العثمانية.. والمفارقة- هنا- أن الترك أساساً كان مجيئهم بفضل المسيحيين العرب والسريان، الذين كانوا مسيطرين على الإدارة العباسية في بغداد، في أثناء مرحلة تألقها ثم أصبح الأتراك بعد أن أسلموا، قوة اجتماعية سياسية وحاشية للسلطان وبعد ذلك بدأ الضغط على المسيحيين في مسائل الزي ومسائل أخرى.

ومع بداية إمكانيات الصعود بالمنطق الجوهري العنصري إلى منطق النفي الديالكتيكي المسلح بالبارود.. فإننا يمكن أن نجد صيغاً أكثر انغلاقاً وعنفاً وإكراهاً للآخرين لفرض نموذج معين من الإسلام عليهم.. دينياً وسياسياً وفئوياً، كما هو حال أبو علي المودودي وسعيد حوا الذي اتخذ منطق الجوهر العنصري الديالكتيكي للشخصنة السنية حيث يذكر مفصلاً في كيفية أخذ الجزية.. "لا تقبل من الكافر إلا أن يدفعها بيده دون جلوس من قبله، أو قيام من المسلم".. وتفصيلات سعيد حوا لم تكن مجرد آراء متزمت بل كانت تفصيلات قائد تنظيم عسكري.. مزوداً بالسلاح والإعلام الذي وفرته له الوكالات الكويتية والسعودية والمصرية والعراقية.. لكي يمعن في الانتحار.. وبالطبع يمكن لنا التخيل بسهولة لو أن (سعيد حوا) كان يعيش قبل خمسين عاماً من ولادته كيف كان سيكتب في موضوع الذميين.

فلنقرأ إذن هذه الوثيقة التي كانت تتكرر آلياً عند طلب دفن أحد المسيحيين: (من جانب الشرع الشريف إلى مطران كفرة السريان، أيها المكروه  بالمنظر.. بما أن المفقود يعقوب الكافر من طائفتكم اللعينة، ومن حيث أن الملعون فطس وهلك، ولأجل إدخال جثته ضمن الأرض، وقد صار الاسترحام من طرف مرشد محلية وجرى أخذ الخراج منه، فإنه وإن تكن الأرض لا تقبل جثته الجيفة، فلكي لا تكون سبباً لإفساد الأرض.. من أجل أن لا تنتن، فقد أعطيت الرخصة بعنوان الشرع الشريف بأن تدفن ضمن مزبلتكم المخصوصة، بموجب مذهبكم الباطل، إلى زمرة جهنم، اقتضى إعطاء هذه الرخصة كي لا يعد مانع من طرف أحد أو خلافه 17 جمادى الأول 1205 هـ هذه الوثيقة من جانب الشرع الشريف)‍‍‍‍!! وهو مدعوم من مهاجرين مسيحيين إلى أمريكا. وبالتأكيد فإنهم يرغبون بتخليص إخوانهم المسيحيين من مشقة العيش الذليل في دار الإسلام.. وهي حالة مفهومة ومبررة.. ولقد رفضها من استطاع رؤية إمكانات قيام وطن (سوري) أو (مصري) أو لبناني.. ورفضها من استطاع رؤية إمكانات (وطن عربي). إلا أن عبء المفاهيم الجوهرية العنصرية والجوهرية الديالكتيكية.. كان يحول دون إمكانات رؤية (الوطن الحيوي العربي الإسلامي) مرة واحدة. كما ندعو إليه نحن اليوم.. ولسنا وحيدين في هذا الاتجاه. فهو تيار حيوي، قابل للانتشار الجماهيري في سائر أنحاء العالم العربي والإسلامي، ولكن دون آلام ومخاضات عسيرة ووجود قابلة قادرة على توليد العقل النقدي الحيوي، فهل تستطيع (ومدرسة دمشق للعقل النقدي الحيوي) أن تكون رأس القاطرة إلى هذه المرحلة؟!

وحسبنا - هنا- أن نقف عند لحظة معبرة تؤكد هذا الاتجاه الحيوي (الوطن العربي الإسلامي) بالمعنى السياسي والاجتماعي وليس بالمعنى الديني، وقد ابصر هذه الإمكانية (طه حسين) حيث يقول في كتابه (تجديد ذكرى أبي العلاء) (الأمم الإسلامية هذا اللفظ أيضاً ضيق في نفسه إلى أن تتوسع فيه وتدل به على معنى  وضعي جديد فنفهم منه إذا أطلق على جميع الذين دانوا لحكم المسلمين أو سكنوا أرضهم، أو اشتدت بين المسلمين وبينهم صلة)[1].

ولفظ المسلمين هذا هو أحق الألفاظ، أن يدل على هذه الأجيال المختلفة، على أن نفهم منه أجيال الناس المثقفين في هذا اللون الذي شرحناه.. الحياة والثقافة الإسلاميين وإن اختلفوا في الجنس واللغة والدين[2].

ومع أن هذا المفهوم ستتضايق منه قوى الشخصنة العنصرية الإسلامية، لأنه يحرمها امتيازات والسلطة والتسلط باسم الله والإسلام، فإن قوى التفرد الحيوي العربي الإسلامي، سوف تجد معان حيوية رائعة للإسلام وللدولة الإسلامية، تتفق مع المنطق الحيوي، منطق العصر ومعطياته، التي تزيل كل ضرورات منطق الجوهر.. وكل صيغة العنصرية الديالكتيكية.


 

 (ب)

                                                         نحو الولايات الحيويه العربيه الاسلاميه المتحده

إن السؤال الأساسي هو كيف يمكن (للمبادرة الحيوية) أن تتحول من مستوى فردي إلى رأي عام جماعي موجه؟ وبالتالي كيف تأخذ صيغة فئوية سياسية تنهض بمهمات تجعلها هدفاً للتحقق سياسياً واجتماعياً وثقافياً ونفسياً وسكانياً وبيئياً.

وهذه الحالة لا تتوقف على أشكال الوجود الفئوي السياسي فقط، التي يمكن أن تبرز بوصفها تيارات وأحزاب تمثل قوى الشخصنة والتفرد، على النحو الذي أشرنا إليه سابقاً، بل تتعدى ذلك، إلى أشكال الوجود الفئوي السياسي بوصفها كياناً سياسياً يشكل دولة ذات سيادة.

فالعالم العربي والإسلامي لا يشكل اليوم وحدة فئوية سياسية، ولكن بالتأكيد فإن هذه الوحدة مطلوبة لتتحقق في صيغة دولة واحدة ذات سيادة قادرة على إصدار القرار السياسي الشامل لديار العرب والمسلمين، في مجال الدفاع والسياسة الخارجية على الأقل، مع ترك المجال الواسع للحكم الذاتي والمتنوع بتنوع ظروف ومصالح ورغبات الولايات القابلة للمشاركة في هذا الإطار بوصفها من الولايات الحيوية العربية الإسلامية الفيدرالية ولتحقيق هذا الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي يمكن أن يبدأ (رأيا عاماً) يشمل هذه الديار، ويمكن بروز تيارات فئوية حيوية متنوعة لقوى الشخصنة والتفرد، في سائر ديار العرب والمسلمين.

ولكن كيف يمكن لهذا التيار أن يتجاوز الحدود أن يتجاوز الحدود الإقليمية المفروضة وقوانين الأنظمة الرسمية، التي تصنف رعايا أي قطر عربي إسلامي آخر بوصفهم رعايا أجانب؟! ومع أن بعض الأقطار العربية لا تشترط تأشيرة دخول مسبقة للعرب الراغبين في الدخول إليها إلا أن الواقع بشكل عام هو أسوأ من ذلك بكثير، فالأجنبي في أي قطر عربي حتى وإن اشترط على دخوله تأشيرة مسبقة ووضع في بوابة خاصة، فهو يعامل بوصفه رسولاً ملكياً بدءاً من السفارات في الخارج ومروراً بالمطارات والمرافئ وامتداداً إلى كل الأجهزة الرسمية في الدولة ويعامل برتبة مواطن شرف!! لا يتمتع بها غير القلة من المسؤولين من أبناء القطر نفسه!!

هذا الواقع يجعل امتداد الاتجاه الحيوي في ديار العربي والمسلمين- بالضرورة- محاضراً ومعوقاً عن الانتشار والقفز فوق الحدود.

كما أن ظروف الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في ديار العرب والمسلمين، تجعل أعداد الراغبين في مغادرة أقطارهم لأسباب سياسية وثقافية قليلة جداً، ليس ذلك لأن الأنظمة العربية الرسمية في هذه الديار متشابهة بشكل عام فحسب، وليس لأن الهم السياسي والفكري لا يرقى عند أصحابه إلى مستوى التحريض على الهجرة، بل أيضاً لأنه لا يرقى حتى إلى السعي للقاء العاملين في هذا الميدان بين بعضهم بعضاً.. وأكبر مثال على ذلك نراه في المؤتمرات والندوات، التي تعقد على المستوى العربي للاختصاصيين، في هذا المجال أو ذاك يكون هم السياحة والتضبغ من  السوق لجلب الهدايا، أهم من المشاركة وتعميق اللقاء.

وإذا أضفنا إلى كل ذلك النظرة العدائية والتشكيكية إلى السياسيين والمفكرين المستقلين عن تنافس الأنظمة، فإنه لا يبقى أي خبر يرتجى في الخارج، غير الوقوع ضمن دائرة الشبهة والشكوك.. وحتى الأفغاني لم ينج من تهمة الماسونية والعمالة.

إذاً، المشكلة صعبة الحل والأصعب منها، القدرة على الانتشار من خلال وسائل الإعلام التي تتحوى ضمن أهداف وغايات تجسد مصالح عقلية أحادية ضيقة، ليس على مستوى النظام السياسي الداعم لها فحسب بل في كثير من الأحيان على مستوى المسؤولين عن إدارة هذه الصحيفة أو تلك.. لأن فتح المجال لأقلام حيوية مبدعة جديدة، يخشى منه أن يكون مقدمة لشراء هذه الأقلام ذات الماضي الشريف ولتبدل- بهم- العاملين في وسائل الإعلام هذه!!

إذاً المحنة خانقة وتجعل المبادرة الحيوية تنكفئ للعمل على المستوى القطري المعزول!! وحتى- ذلك- هو أمر في غاية الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً.. وذلك لأنه ليس هنالك شرائح اجتماعية بكر، لا يكون لها تاريخ سياسي، ومصالح اجتماعية موجهة لاختياراتها الفكرية والسياسية، وبالتالي، فإن التقرب من هذه الشرائح يتطلب صيغة مختلفة ومقاربات تتطلب قدرة تكتيكية واستراتيجية كبرى، ليس من السهل معرفة سبلها والسيطرة على أدواتها وقد يؤدي انتشارها في أوساط (ما) إلى استعداء أوساط أخرى، بالضرورة.

كما أن المبادرة الحيوية لا بد أن تتلون بلون الوعاء الاجتماعي، الذي يبدي استعداداً أكبر لاحتضانها. وهو أمر يؤدي إلى مزيد من الحصار والعزلة على المستوى الشعبي.

لنأخذ مثالاً على ذلك.. لنفترض أن المبادرة الحيوية انتشرت في فئة دينية أو قومية، تشكل أقلية مكروهة، أو مضطهدة من محيطها!! ترى.. ألن يؤدي ذلك إلى خنقها في المهد؟ وفي حال استمرارها وتجذيرها في هذه الأقلية، ألن ترفع جدراناً عالية حولها تحول دون انتشارها إلى الآخرين؟!

ترى؟ ألم يشكل انتشار الماركسية- عن طريق الأرمن واليهود- عبئاً عليها في البلدان العربية، أو بشكل خاص بعد نشوء إسرائيل؟ وبالتأكيد، فإن العامل الداخلي الحاسم في ذلك، سيكون من خلال الأوساط الاجتماعية الحاضنة لها، سواء عن طريق اعتبارات تخدم قوى الشخصنة، أو التفرد، وهذه لن تكون خارج الأطر الفئوية التقليدية الموروثة من عهود الانحطاط، أو على الأقل ضمن أطر فئوية تعيش العقلية الأحادية، في صيغة تشكلها، واستقطابها الفئوي، فكيف يمكن- لهذه الشرائح- أن تتجاوز مصالح عقليتها الأحادية؟ وكيف يمكن للمبادرة الحيوية أن تستطيع- على المستوى النظري والتنظيمي- تجاوز الأسس الفئوية الاجتماعية الحاضنة عملياً لهذا الاتجاه الحيوي..

هذه المسألة ستبقى عقبة أمام قدرتنا على تجاوز حالة القبلية والعشائر والطائفية والإقليمية.. ويجب إيجاد مقاربة عملية، ليس لإلغاء هذه الفئويات!! بل لتفهمها ولتفكيكيها واحتوائها حيوياً وعدم السعي للقفز فوقها- نظرياً- والسقوط- علمياً- في شبكاتها ومصالحها الضيقة.

ما الحل إذاًَ؟ هل نعطي لكل قبيلة ولكل طائفة ولكل عشيرة ولكل عائلة ولكل شخص.. كياناً سياسياً مستقلاً.. وننشئ دولاً بعدد الأفراد والعائلات والعشائر والطوائف والأقاليم؟

كم ستكون الإجابة مدهشة، إذا قلنا نعم! وكم ستكون الإجابة بنعم معيناً لتبرير مزيد من التفتيت السياسي والاجتماعي.

بحيث لا يكون هناك غير الشراذم المنخورة المتنافرة وكم سيكون ذلك تدميراً لإمكانات نشوء تيار حيوي عربي إسلامي عام؟!

لإيضاح هذه النقطة لا بأس من التوقف- قليلاً- عند الدور السياسي الحيوي لهذه الفئويات الموروثة من عهود الانحطاط والتي تدور ضمن إطار مصالح العقلية الأحادية.

ماذا نقول؟ هل هناك دور حيوي للفئويات الموروثة من عهود الانحطاط؟.. للإجابة عن هذه المسألة نذكر بالدور الإيجابي للعقلية الأحادية، كما شرحناها في سياق الأزمات والهزائم محلياً وعالمياً ونذكر من جديد، أن العقلية الأحادية ومنطق جوهر التعايش الصوري والديالكتيكي، أو العنصري.. ليست مجرد اختيارات نظرية، يمكن تجاوزها إلى منطق الشكل، بل هي صيغ اجتماعية تفرضها مصالح سياسية واقتصادية ونفسية وتقنية وثقافية وعقائدية.. قادرة على الانتشار ضمن صيغ فئوية تمتد أو تضيق بحسب قدرتها على توفير احتياجات حيوية قادرة على الفيض وتوسيع دائرة المشاركين فيها..ولهذا السبب، فإن منطق جوهر التعايش الصوري ارتبط بظهور إمكانات حيوية تتجاوز منطق الجوهر العنصري المغلق.. وانفتاحه صورياً ليشمل الآخرين.. دون الدخول في تفاصيل هوية العناصر المشاركة، ودون محاولة تحطميها، بل قبولها كما هي!! ولم تظهر إمكانات منطق الجوهر العنصري الديالكتيكي إلا بعد استعمال البارود والتقنيات الحزبية القادرة على تحطيم العناصر الجوهرية للعالم غير الأوروبي ومحوها وتحويلها ودمجها لتصبح تابعاً للجوهر الأوروبي.

وفي كل حالة لم يمكن فيها الصعود من منطق الجوهر العنصري اجتماعياً.. إلى منطق التعايش الصوري، فإن السبب كان يعود إلى انعدام الصيغة التي تجعل الاحتياجات الحيوية فائضة عن دوائر الجوهر العنصرية.

كما أن تعثر صيغ جوهر التعايش الصوري لاجتماعي وانهياره كان بسبب انعدام وفرة كافية لقدرات تسمح بإبقاء التجاور والتعايش الصوري، بين العنصريات الاجتماعي الأضيق.. ويسبب عدم ظهور إمكانات منطق وفرة إنتاجية، تزيد عن حاجة العنصر الاجتماعي المنتج لها!! وعند ظهور إمكانات فرضها كأنماط للاستهلاك، تهيج الأحوية الاجتماعية الأخرى، تحت طائلة استعمال البارود. فإن منطق الجوهر العنصري الديالكتيكي، كان يفرض نفسه، حيث اقتضى الأمر، فيفرض تجنيد عمال لإدارة آلاته، وجنود يصبحون وقوداً لحروبه، وليأخذ ثروات ومواد خام تلزم لتطوير إنتاجه، وكل هذه العمليات، لا تتطلب تغييراً لأنماط الاستهلاك فقط، بل أيضاً تغييراً لأنماط الوجود الفئوي الاجتماعي.. دينياً وقومياً وقبلياً وثقافياً ونفسياً.

والعالم، بكل ما فيه، من مستويات معبرة عن منطق الجوهر بدا مع نهاية الحرب العالمية الثانية بالتحول نحو منطق الشكل.. الذي يجعل المصالح مشتركة وملزمة، على المستوى العالمي، أكثر فأكثر، تحت طائلة الدمار الشامل، ويجعل من التنوع والاختلاف ضرورة لتوسيع الآفاق!! وغنى للعلاقات الإنسانية، ويرى في (الآخر) نسخة عن الذات ضمن ظروف مختلفة!.

هذا الفهم الحيوي أصبح ممكناً. وبدأت تباشيره على كل المستويات، ونحن- هنا - لسنا لنعيد البحث في هذا الموضوع ولكن لنقول- فقط- إن الفئويات العنصرية الموروثة، بوصفها أحوية عائلية وعشائرية وقبلية وطائفية وقومية وإقليمية كان لها ما يبررها!! وكان لها قدرة على تأمين احتياجات حيوية للمشاركين فيها.. ومرحلة التحجر والتكلس ضمن قواقعها، تعود إلى الخط البياني المتهابط !! و من المعروف أن الحيوانات في القطب الشمالي تدخل  مرحلة سبات شتوي طويلة، تتبطأ فيها حركة الدم، ونبض القلب، وبالتالي تنقص الحاجة إلى الغذاء! كما أن النباتات الصحراوية تتخذ أشكالاً تقلل المساحات المعرضة للشمس، وتقاوم الجفاف بأوراق على شكل إبر.. وبألوان جافة وتداوي- نفسها- بالذي كان هو الداء!! فتتحدى الجفاف بمثله.

ومثل هذه الحالة معيشة اجتماعياً ومبررة في المعادلة المنطقية للمنظومة التي تقترن بدلالتها.. فالعائلة هي المنظمة الوحيدة القادرة في العالم العربي الإسلامي- حتى الآن- على تأمين رعاية وحماية نمو أفرادها وماتزال إطاراً للمصالح الاجتماعية في القرية أو في قطاع المهن الحرفية التي تزاول في المدن وما يزال الكثير من سكان المدن لا يحتاجون إلى أكثر من محيط العائلة لتأمين أمنها واستمرارها.. وإذا كانت هناك إمكانية للاتساع، فإن القفز من أهل العائلة إلى أهل الحي أو المدينة أو العشيرة أو إلى الطائفة أو إلى القبيلة أو إلى الإقليم كان يفرض نفسه بالضرورة المنطقية أيضاً!!. في كل قطر.. ففي سوريا على سبيل المثال. نرى ذلك في دمشق وحلب وحمص وحماه واللاذقية، كبرى مدن سوريا.. كما هو الحال في بغداد والبصرة والموصل في العراق.. فإن الأحياء موزعة طائفياً وعشائرياً وعائلياً.. وحال بيروت لا يحتاج إلى ذكر.

والعالم العربي الإسلامي الذي كان يعيش معظم سكانه حتى منتصف هذا القرن ضمن مصالح بدوية- قروية.. أو حرفية محددة. كان يعيش- فقط- ضمن صيغ فئوية ضيقة!!.

والأقاليم التي رسم حدودها الاستعمار الأوروبي كانت في معظم الأحيان تفيض عن حاجة السكان للتفاعل الحيوي، وعن قدراتهم في تحو أكثر اتساعاً في داراته، فإن الفئويات الإقليمية، بقيت في أكثر الأحيان مرتعاً لفئويات تمثل مصالح أحادية، أكثر ضيقاً من الحدود الإقليمية المفروضة.. وخاصة أنه لم يتوافر في هذه الأقاليم، قدرة على صياغة الدولة المعاصرة ومستلزماتها وتقنياتها، بحيث تحقق حداً أدنى من الاحتياجات الحيوية، لمختلف المواطنين.

وضمن هذه الأقاليم.. كانت الفئويات السياسية تستطيع استشراف منطق أشمل باتجاه مصالح قومية ودينية أكثر اتساعاً من الأقاليم، إلا أن هذا الاستشراف كان يتم بعقلية منطق الجوهر العنصري الديالكتيكي بأحسن الأحوال، وذلك لفرض سيادة قومية معينة، أو دينية معينة، أو طائفية معينة، أو طبقة إقليمية معينة!!

وكان هذا الاستشراف، يتم من خلال التجاوز للمنطق الجوهري العنصري الفئوي الأضيق، بالاتجاه الأكثر شمولاً والأكثر عمقاً وذلك من خلال مستويين الأول: استلهامهم لماض أكثر حيوية من الحاضر.. كما هو الحال في العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية، ولكن دون فهم لمنطق جوهر تعايشها الصوري ودون قدرة تحقيق مستلزماتها والثاني محاكات للأنظمة الغربية المهيمنة باتساعها وعمقها وشمولها، السياسي والاقتصادي والثقافي والنفسي والحضاري المعاصر، ولكن- أيضاً- ودون امتلاك لقدرات نفيها الديالكتيكي فالقوى القومية في العالم العربي والإسلامي تناوبت في تبرير وجودها وتمايزه القومي وبدلاً من عامل الإرادة أو اللغة أضافت عوامل كثيرة جداً لتأكيد وجودها ووحدتها القومية ولكنها عجزت عن تحقيق الوحدة حتى في حال وجودها في السلطة في أكثر من قطر.. كما أن القوى الماركسية في العالم العربي الإسلامي حفظت عن ظهر قلب نصوص البيان الشيوعي اعتقاداً منها أن ذلك سينهي الاستعمار والإقطاع والبرجوازية والفقر.. ومع أن هذا الاستلهام أو السعي للمحاكاة الديالكتيكية الماركسية النظرية، يمثل تحفزاً حيوياً بحد ذاته، إلا أنه شكل لأسف وثبة في الفراغ نرى آثاره- الآن- بشكل فجائعي.

فلماذا؟ أليس لنا حق الحلم؟ لاستعادة حضارة لها اتساع وشمول وعمق حضارتنا في الماضي؟ أليس لنا الحق في مجارات العالم في تكوين أمم كبرى؟ أليس إرادة ذلك يمثل بحد ذاته عملاً حيوياً؟

-         الإجابة هي: الإيجاب. إذاً أين المشكلة؟

المشكلة: هي أن إمكانات العصر ومنطقه.. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تجعل صيغة التشكل الأمم والإمبراطوريات الأوروبية المعاصرة، موضع تساؤل.. وهي في طريقها لإعادة تشكل جديد، يتجاوز منطق الجوهر، بكل مستوياته باتجاه منطق الشكل، وإذا كانت الإمبراطوريات والدول العظمى غير قادرة على الاستمرار في تجسيد منطق الجواهر، على المستوى الداخلي على الأقل، فكيف يمكن- لنا- استعادة إمكانات تحقيق أمة عربية، أو إسلامية تنتمي إلى منطق مراحل ومنظومات اجتماعية هي في طريقها للغياب عن الساحة العالمية.

ولنتذكر جيداً- هنا- أن منطق جوهر التعايش الصوري العربي- الإسلامي، لم يكن ممكناً إلا في ظل اضمحلال نفوذ كسرى الفرس، وقيصر الروم، ولكن، لماذا لا نستطيع الاستمرار في منطق مصالح أحادية طائفية وإقليمية، أضيق من منطق جوهر الأمة القومية أو الدينية ولا نستطيع أن نحقق ما هو أكثر حيوية؟.

وللإجابة عن ذلك نقول: إن العالم ليس فراغاً.. والبقاء في مستوى اجتماعي أضيق، يعني البقاء في حالة ضعف أكبر، وبالتالي يعني تحقيقاً لأمن العالم بشكل أكبر، أما النهوض باتجاه أمة جوهرية قومية أو دينية، ذات شمول يمتد إلى سائر أنحاء الأمة العربية والإسلامية، فإنه عمل يحمل في طياته إمكانات تفجير العالم.

حتى، لو لم نقصد ذلك، لأن تحركنا سيأخذ صيغة رد فعل ستعني خلخلة الميزان العالمي، ونحن -أساساً- لا نملك حتى هذه القوة، في الوضع الراهن.

ولذلك ليس أمامنا إلا تجاوز منطق الجوهر كلياً وملاقاة العالم في منتصف الطريق؟ عندئذ يمكن لنا أن ندخل العصر، ليس بمنطق الجوهر، الذي كان يتجسد في الماضي وما يزال في الحاضر إلى حد ما، ولكن بتجسيد منطق (الشكل) منطق العصر، ومنطق المستقبل الحيوي، الملزم للجميع، تحت طائلة الدمار الشامل.

مع التأكيد مرة أخرى أن الكيانات الاجتماعية والثقافية التي جسدت منطق التعايش الصوري في تاريخنا العربي الإسلامي لم تدم طويلاً ولم تكن قادرة على الانتشار من موقع القدرة التقنية للحصان العربي فحسب، بل أيضاً من قدرة السيف الإسلامي، لنشر عقيدة التوحيد وبالتالي قدسية الخلافة وضرورتها وحيويتها وبهيبة الخليفة، وقدرته على الأمر الحاسم الفعّال لتطويق العصيان.. كما أن محاولات العصيان والاستقلال المحلي عن إرادة الخليفة، لم تكن تنهار بسبب قدرة مركز الخليفة - فقط- بل أيضاً من خلال الفئات المحلية التي كانت تستطيع الوثوب على الحاكم المحلي لتنال رضي الخليفة كي يسلمها الولاية بعد القصاص من الولاة المارقين.

وهذه الحالة لم تبق بالفاعلية نفسها في القرون الأولى.. وفيما عدا ذلك فإن منطق جوهر التعايش الصوري الإسلامي، بقي على المستوى النفسي فقط.. وليس على المستوى السياسي.. وفي هذه المرحلة بدأ التهابط.. نحو منطق الجوهر العنصري.. وتدني إلى مستوى طائفي قبلي عشائري عائلي.. نتيجة ملازمة لتدني المنسوب الحيوي.. والمشكلة- الآن- أننا نريد النهوض من هذا المنسوب الحيوي الضئيل لتحقيق كيان أشمل وأكثر اتساعاً، يشمل- الآن- 200 مليون عربي أو مليار مسلم، يعيشون- بالفعل-حالة نفسية متشابهة، وتوقاً متناغماً للائتلاف والتوحيد بشكل كيان فعّال حيوي موحد.

ولكن ليس هناك قدرات حقيقية لتحقيق ذلك.. وغياب هذه القدرات لا يعود إلى العامل الذاتي، المتمثل في الفقر والتجزئة والتخلف، ولا إلى العامل الخارجي فقط، المتمثل بالسيطرة والهيمنة والإعاقة والاحتلال، بل يعود- أولاً وقبل كل شيء- إلى عامل المنظومة المنطقية الاجتماعية المعيشة التي تؤطر الذاتي والخارجي ضمن منطق العصر، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما ولدته المعطيات، التي سبق ذكرها، من قدرات لتجاوز منطق الجوهر بكل مستوياته وأطواره باتجاه الشكل الحيوي الذي لا يسمح بأي انغلاق عنصري قومي أو ديني، ولا يسمح بأية محاولة لنفي الآخرين قومياً أو دينياً أو تهميشهم وهذه هي الحيوية التي تؤدي إلى التعايش المتوازن الواضح المغتني بالاختلاف، ولذلك فإن الحيوية هي الشرط والإطار الوحيد الذي يسمح بنشوء ولايات عربية إسلامية متحدة ضمن منظومة حيوية عالمية شاملة.

ولذلك فإن الطريق الوحيد المفتوح أمامنا، هو الاندماج في صيغة اجتماعية ثقافية حضارية عالمية حيوية.. يكون فيها الاختلاف والتنوع والتفرد على مستوى العالم أجمع ويناضل لتحقيقها للجميع، ولذلك فإن هذا الاندماج لن يلغي هويتنا العربية الإسلامية بل سيعطيها بعداً حيوياً يتناغم مع منطق العصر.

من هنا يستطيع الاتجاه الحيوي في ديار العرب والمسلمين أن ينتصر على الفئويات العنصرية الضيقة، عندما يستطيع ملاقاة العالم في نظام حيوي شامل.

ولكن كيف يتحقق النظام الحيوي العالمي بشكل اشمل؟ هل ننتظر المهدي؟ أم ننتظر رحمة الإمبريالية أم بلوغ سن الرشد؟ أم ننتظر وصول العالم أجمع إلى سن اليأس من منطق الجوهر؟ الإجابة هي النفي لكل هذه الأحلام والأوهام، بل يجب الانطلاق من الآن ومباشرة من أوضاعنا الحالية لتشييد النظام الحيوي، بدءاً من الكيانات الإقليمية التي نعيشها، ونساهم بإيجاد الميثاق الحيوي القابل للتطبيق، بحيث لا تعود ثمة حاجة للفئويات العائلية والعشائرية والطائفية الأضيق، بحيث نشعر -فعلاً- بضيق التعبير الإقليمي، ونجد صيغة للوحدة متوازنة مع العالم، ولا تستعدي الآخرين؟.

وذلك من خلال السعي إلى نظام حيوي يتناسب مع منطق الشكل، الذي يجعل الجميع متساوين أمام القانون في الحقوق والواجبات، وهذا لا يعني، فقط، الدعوة إلى التساوي أمام القانون.. بل المهم، أولاً وأساساً، تحقيق قانون المساواة. قانون حقوق الإنسان، قانون (الخلق عيال الله، أحبهم إليه: أنفعهم لعياله) قانون (الناس نظراء في الخلق).. قانون (متى استعبدتم الناس وقد ولدتم أمهاتهم أحراراً).. قانون (إرادة الحياة.. الحرية).

هذا القانون الحيوي، عندما يمكن تحقيقه، في صيغة نظام سياسي يمكن - لنا- بعد ذلك، فقط، المطالبة بالتساوي أمامه.

أما المطالبة بالتساوي أمام القانون الغاب.. أمام قانون المستبد.. أمام قانون الجوهر العنصري أو الديالكتيكي.. فهذا يعني: قبولاً لشريعة الغاب والاستبداد والعنصرية من موقع الضعيف ولذلك فإن الفئوية السياسية سواء أكانت شخصنة أم تفرداً، نم الواجب عليها، في صيغة تنظيمها، وصيغة عملها، لتحقيق أهدافها، أن تحقق هذه الحالة في كيانها، أو تجعله هدفاً حقيقياً ومرجعاً نقدياً حيوياً نقيس، بموجبه، مدى حيويتها في تحقيق أهدافها.

وهنا، فإن بعض الاستثناءات، التي تقتضيها احتمالات التشكل الفئوي، في أوساط محددة، ومراحل محددة، يمكن قبولها، ولكن، بشرط عدم غض النظر عن وجودها، وعدم استخدامها سوقاً للمزايدات والمتاجرات والانشقاقات، ولكن من يضمن عدم النكوص عن ذلك؟

الضمان يمكن أن يتم، من خلال مجمل البناء الاجتماعي الحيوي الثقافي والاقتصادي والعسكري والبيئي والسكاني والنفسي، الذي يجعل الجميع قادرين على رؤية (أنفسهم) ومصالحهم في (الآخرين) ويجعلهم يرون اختلافات (الآخرين) مجرد ألوان لظروف وجودهم –هم- أنفسهم، ويكون – أيضاً- من خلال إعطاء السيادة والكرامة، بشكل عملي واقعي للجميع ضمن، ميثاق حيوي ملزم للجميع دستورياً بعد قبوله من الأغلبية.



 

  ج

والاتجاه الحيوي العربي الإسلامي 

مشكلة الاقليه والاغلبيه

 

الإسلام هو وطن المسيحيين العرب

فهم الذين عربوا دواوينه وهم الذين

بنوا مساجده وشاركوا في فتوحاته"

(فارس الخوري) رئيس وزراء سوري سابق

 

أنا مسلم وطناً.. ومسيحي ديناً"

(مكرم عبيد)

سكرتير حزب الوفد من العشرينات

وحتى الأربعينات.. ورئيس الكتلة السعدية

يجب علينا بادئ ذي بدء أن نؤكد أن مفهوم الأقلية والأغلبية هو مفهوم أوروبي حديث، ويرتبط بنشوء الدول الإقليمية التي جزأها الاستعمار بقصد إيجاد وتنشيط صيغ فئوية متنافرة متناقضة قومياً وطائفياً وإقليمياً ومثل هذه الحالة، لم تكن شائعة حتى إلى المرحلة العثمانية.. إذ كانت الخلافة الإسلامية تشكل مركزاً ورمزاً للوحدة والترابط لمجموعة من القبائل والطوائف والأقوام تعيش كل منها في بيئة مغلقة على مصالحها، وتتحوى ضمن صيغ تجعل محيطها النفسي، هو المحيط الذي يشكل دارات التحوي الفردي. أما ما زاد عن حاجة العشيرة أو الطائفية أو القبلية فإنه بالضرورة سيمر بمركز السلطة المركزية عن طريق الولاة الإقليميين، وكان لكل طائفة عالمها الخاص، والأمر نفسه ينطبق على المسيحيين واليهود الذين كان لهم عالمهم الداخلي المغلق المصان بحكم قوة وهيمنة السلطان وسلطة التوحيد السياسي الإسلامي.

وبالطبع، فإن حالات الشغب والمنازعات والاعتراضات كان يمكن توقعها باستمرار، ولكن بوصفها أعمالاً خارجة عن القانون، وتستوجب المعاقبة من خلال أعوان الولاة المحليين الذين لم يكونوا غير رؤساء العشائر والطوائف والقبائل- أنفسهم- إلا في حالة عصيان ظاهر يتجلى بعدم دفع رئيس عشيرة معينة، أو طائفة ما عليه من صدقة، أو الزكاة أو الجزية أو المكوس التي يطلبها السلطان مقابل موافقته على لقب الباشا أو الأغا. الخ

وضمن دولة متسعة الأرجاء بشكل يزيد عن مساحة العالم العربي، بقيت الإمبراطورية العربية الإسلامية، تشكل فئوية موحدة وتتبع التعايش السلمي المحلي والإقليمي نسبياً إلى أواخر العهد العثماني، حيث بدأت الحملات الأوروبية لاقتسام تركة (الرجل المريض) ولكنه على أية حال كان إلى بداية القرن رجلاً وإن كان واهن القوى خائرها.

ولذلك، فإن مفهوم الأقلية لم ينشأ إلا حديثاً.. وبه يمكننا أن نجد في دولة، أية دولة، حتى لو كان سكانها من العرب والمسلمين وعلى مذهب واحد، عدة معايير، لخلق تمايزات وحساسيات بين أقلية وأغلبية سواء بالمعيار الجهوي الجغرافي، أو بمعيار الثروة أو بمعيار النفوذ السياسي أو بمعيار الكثرة والخصوبة، الديموغرافية، وبحسب سمات البدوية والحضر أو بحسب المهن أو بحسب التابعية والموالاة السياسية، أو بحسب اللهجات والموروثات الخاصة.. الخ.

ولهذا يمكن رؤية أشكال كثيرة من التمايزات حتى في حال وجود مذهب واحد وقومية واحدة، فكيف الحال؟ إذا كانت التجزئة تستهدف إغناء التناقضات ووضع التناحرات وتغذيتها، بحيث يكون كل امرئ.. قابل للشعور بأنه أقلية من نوع ما.. وبالتالي، يكون لديه بذور النقمة والتمرد على وضعه الاجتماعي، والتركيز على العوامل الداخلية في الخصومات والتناقضات إلى درجة الحرب الأهلية.

هذه هي حال العرب اليوم!! الذين يمكن النظر إليهم وفي كل قطر على حدة بوصفهم خليطاً متنافراً من اللهجات والعادات المختلفة، بين قرية وأخرى، بل بين كل بيت وآخر، فكيف الحال؟ بين مدينة وأخرى ووسط جغرافية وآخر؟ وطائفة وأخرى، وقومية وأخرى، ودين وآخر.. عندئذ سيبدو علاماً من التنافر لا تسوده أية سمات تجعل منه كياناً قابلاً للوحدة ولو صورياً.

وهذه التمايزات موجودة ومحسوسة ومبالغ في تضخيمها لأسباب يعود بعضها إلى زيادة الحساسية والضعف والهزائم التي تجعل كل منا يلقي اللوم والمسؤولية على الآخر. (ولنقص الثروات واختلاف النفوذ السياسي). حيث ترى أن الكل ضد الكل.

ولكن بنظرة أكثر هدوءاً وابعد عن حساسيات اللحظة الراهنة، يتضح أن لدينا وضعاً عربياً وإسلامياً على قدر هائل من الاتساق والوحدة لا مثيل له في العالم، من حيث واقع التماثل والوحدة من اللغة إلى العادات، إلى التاريخ بدءاً من 14 قرن إلى الآن.. رغم التباعد والتجزئة وضعف التواصل المعنوي والمادي، إذ أن وحدة اللغات واللغة والطموح ووحدة المحيط المعادي، جعل هوية هذه الأمة تتبلور بشكل استثنائي في التاريخ من حيث العمق والسرعة والشمول، ونحن بالطبع، لا نريد أن ننكر تراثنا الحيوي من الفئويات السابقة للإسلام، ولا نريد أن ننكر وجود فئويات غير عربية واسلامية حتى في التاريخ العربي و الاسلامي و لكن التلميح إلى أن الاختلاف في هوية هذه الفئويات، هو أقل بكثير مما بين ألمانيا وفرنسا، واقل مما هو بين فرنسا وبريطانيا، هذا ما نسميه الحيوية العربية الإسلامية؟ بوصفها قدرة توحيدية هائلة قابلة لأن تجعل غير العرب وغير المسلمين المقيمين في ديار العرب والمسلمين يفتخرون بحمل هويتنا الحيوية الأكبر من أن تتحنط في مصالح قومية ضيقة أو تعصب طائفي أعمى.

ولكن ما لنا نقدم الاتجاه الحيوي وكأنه لمسة سحرية.. ونضعه قبل كل كلمة أو بعدها لنأخذ معنى يمسح عنا كل دواعي الاعتراض من الآخرين؟ فما سر الحيوية العربية التي ستزيل عنها سمة الانحطاط والعنصرية والتخلف؟ وما هو سر الحيوية الإسلامية الذي سيجعل المسلمين يتخلون عن منطق الجوهر النافي والديالكتيكي الطائفي والقومي؟

وما هو سر الحيوية الذي سيجعل اليهود والمسيحيين والغرب والعالم أجمعين يصبحون فجأة حيويين.. ويتخلون عن كل آثار منطق الجوهر بكل مراحله وموروثاته؟

ترى ما الذي نعنيه بالحيوية هذه؟ هل نريد أن نرفع شعار سلام المسيح، لمن يضربنا على خدنا لندير له الأيسر أيضاً!!! أم ستساعدنا على كسب أعدائنا بالمحبة، أم أنها ستضيف لوناً رمادياً على الجميع لتزول الخلافات؟ فلا يبقى أبيض، أو اسود، ولا أحمر، ولا أصفر، ولا أخيار، ولا أشرار، ولا حامض ولا حلو!! بحيث يصبح عالماً تختفي منه الاختلافات.. يبعث على التقيؤ أكثر مما يثير الشهية.

للإجابة عن ذلك لا بأس من التوضيح أن الحيوية لا تعني مهادنة قوى الشر، والقصور. وأن الحيوية لا تبشر بنصر آلي ونهائي وأكثر من ذلك فإنها لا تؤدي إلى نفي الاختلافات ولا تعمل على محوها.

والاتجاه الحيوي العربي- الإسلامي لا يعني طمس الاختلافات كما لا يعني جعل العالم أجمع عرباً ومسلمين، ولا يعني حصر الناس أجمعين في حزب واحد ووحيد، بل إن ذلك يمكن أن يكون ضمن اتجاهات فئوية سياسية مختلفة، حيث تصبح مجموعة فئوية ما.. تتصف بالأقلية، تبعاً لنفوذها السياسي الجماهيري فقط!؟ ولاعتبارات حيوية سياسية فقط! وكذا الحال بالنسبة للأغلبية التي لن تنهض إلا وفق اعتبارات سياسية حيوية جماهيرية فقط!

ولكن، لنفرض أن غير العرب وغير المسلمين، أرادوا تشكيل فئوية سياسية فهل هذا ممنوع؟!

الإجابة هي بالنفي، ويمكن لهم إيجاد أحزاب فئوية خاصة بهم، ويمكن لهم بواسطتها استقطاب شخصناتهم ولكن ستكون الشخصنة الأكبر العربية الإسلامية أقدر على احتوائهم، ولذلك فإن وجودهم لا يخيف، كما أن عدم وجودهم لا يزيل اشكالات الأمة ومن المفيد أن يتعرف الرأي العام توجهاتهم ودوافعهم البريئة والبعيدة عن عقلية التآمر.

إن العروبة كما ذكرنا ليست قيمة حيوية بذاتها ولذاتها، بل هي منطق ووطن وتيار، والإسلام ليس قيمة حيوية نظرية مجردة فقط، بل هو منطق مستلهم من (أم الكتاب) وموجودة أسسه الحيوية في (اللوح المحفوظ) بوصفه المنطق الحيوي للكون وقانونه.. أيضاً وأولاً فقه مصالح مرسلة عبر 14 قرن لأكثر من مليار مسلم حالياً، والمبادرة الحيوية يجب أن تنهض بمسؤولية هذا الاتجاه الحيوي في ديار العرب والمسلمين لتتحوي مختلف ديارهم ومصالحهم الأكثر حيوية.

وعلى هذه الأرضية يمكن إتاحة أكبر مجال للتنوع والتعددية في صيغ الوجود الفئوي: أحزاب، جمعيات، نقابات إنطلاقاً من وحدة الاتجاه العام الذي يؤكد الوحدة من خلال التعددية التي تعمقها وتغذيها.

ولكن، قد ترتفع أصوات داعية لتكوين دويلات فئوية، أقلية من بعضهم سينادي بدويلات علمانية ولا أثر للدين والإسلام فيها!! فما العمل؟! من المؤكد أن لا أحد يستطيع أن ينفرد لوحده بدوله خاصة به ولا أحد يحبذ الانفصال. كما أن أحداً لا يقبل أن يكون للقوى المعادية دور في التحريض والتفريط.. إلا أن رفض ذلك لا يحل المشكلة التي لا يمكن أن تظهر أصلاً إلا بسبب شعور (ما) بأن جماعة ما تعيش وضعاً مضطهداً من حيث المصالح الثقافية أو الاقتصادية أو النفسية أو السياسية، وفي هذه الحالة يجب أن تبذل الجهود لحل هذه الإشكالات أولاً، ففيها تحارب ركائز الخصم فينا، ونواجه مصدراً هاماً للنزاعات.

وبالطبع، فإن هذه القضية الحيوية، لا يمكن التقدم في تحقيقها، إلا ضمن صيغ تحوي عربي- إسلامي قادر على مواجهة المشكلات الناجمة عن الاختلاف في الانتماء الفئوي الموروث.. وخاصة ما يعرف بقضية الأقليات باتجاه تكوين أغلبية سياسية حيوية تتجاوز المنطق النافي الديالكتيكي النافي للآخرين.

ولذلك فإن هذه الحيوية تعني إعطاء الأغلبية والأقلية بعداً سياسياً حيوياً فقط.. وعلى هذا الأساس يمكن لنا من جديد فهم البعد السياسي في الموروث الفئوي للأغلبية والأقليات حتى في صيغها الدينية والقومية والطائفية.. وبالتالي فإننا نصبح أقدر على فهم أنفسنا، من خلال القدرة على قيادة أنفسنا وفق اتجاه حيوي يعيد ترتيب الصيغ الفئوية الموروثة، فيحولها من منطق الجوهر النافي الديالكتيكي إلى المنطق الحيوي، مع الاحتفاظ بكل السمات الإيجابية الحيوية لمرحلة منطق الجوهر النافي الديالكتيكي إلى المنطق الحيوي مع الاحتفاظ بكل السمات الإيجابية الحيوية لمرحلة منطق جوهر التعايش الصوري العربي الإسلامي للقرون الإسلامية الأولى.

ولكن المشكلة الأكبر، ليست الأقليات المضطهدة والمغلوبة والفقيرة والضعيفة، فهذه لا تختلف في واقعها اليوم عن واقع الأغلبية العظمى، ويمكن فهم دوافعها ويمكن ضمان تحقيق انفراج في أزماتها مع نهوض الأمة كلاً.

أما المشكلة، فهي في وجود وسيطرة الأقليات الغنية الظالمة المتسلطة.. المرتبطة ارتباطاً عضوياً بمصالح قوى الهيمنة، والتي ترفض أن تعيش كباقي الناس، بيننا، على السراء والضراء، وقد يظن القارئ أن الإجابة ستشير إلى وجود هؤلاء بين المسيحيين واليهود أو البهائيين أو بعض الأقليات القومية والإسلامية، وهذه الإجابة ليست خاطئة كلياً، لأن مثل هذه الاتجاهات الفئوية المنغلقة على مصالح أحادية ضيقة، موجودة، بالفعل، بين هؤلاء، إلا أن المشكلة الكبرى، تبقى في الإجابة، التي تشير إلى تلك الأقليات السياسية التي تحكم معظم الأنظمة العربية، وهؤلاء حتى لو كان لهم لون معظم الناس قومياً ودينياً وقبلياً وطائفياً، إلا أنهم، في الحقيقة، يعيشون كما لو كانوا (أمة خاصة) بين الناس، لا ينطبق عليهم ما ينطبق على غيرهم؟! هذه الأقلية هي الخطر الأكبر على الأمة.

وهؤلاء هم الذين يدفعون بالأقليات للنفور والنشاز وذلك باعتمادهم في معظم الأحيان خطاباً غوغائياً لإثارة العصبيات التي تدغدغ عامة الناس.. إثارة مبالغاً فيها، لا يشعر بوطأتها وزيفها أبناء الأغلبية المخدرون بها، في كثير من الأحيان، بقدر شعور أبناء الأقليات، التي تشكل بؤراً لمعارضة النظام، وجماعة الحكم فيه، بوصفها أقلية تعيش وضعاً جوهرياً متسلطاً دون وجه حق أو مبررات غير تمرير المخططات الإمبريالية.

والمشكلات الناجمة عن التيارات الفئوية للأقليات.. سواء أكانت تصدر فعلاً عن أقليات دينية أم قومية، أم من أقليات سياسية، فإنها ترتبط أساساً بحدود التجزئة المفروضة! من قوى الهيمنة. وبمصالح هذه القوى في إثارة الإشكالات التي تسمح بإبقائنا ضمن حالة التفتيت والانحطاط.. والتبعية.. وإلا، فلماذا يساند الغرب قضايا الأقليات في العالم الثالث؟! ولماذا يقمعها عنده؟! لماذا تحارب بريطانيا الأردنيين؟ وتشجع الأكراد في العراق؟!، لماذا تشجع فرنسا الأقلية المارونية في لبنان؟ وتقمع التطلعات الاستقلالية في (الكورس) و(كالدونيا)؟ ولماذا لا تسعى أمريكا، حالياً إلى إيجاد منطقة حماية للفلسطينيين في الأراضي التي تعترف أمريكا رسمياً بأنها محتلة؟! إذاً مشكلة الأقليات لها بعد يتعلق بمصالح قوى الهيمنة الدولية، وذلك ليس محبة بالأقليات ولا تعاطفاً مع مصالحها المشروعة، بل لخدمة مصالح قوى الهيمنة.

والأقليات التي ترتبط في ظهورها واستمرارها بمصالح قوى الهيمنة الدولية سواء أكانت أقليات قومية أو دينية أو سياسية لا تلقى الدعم الخارجي محبة بل مصلحة!! وهذا يعني أنها سترمي في سلة المهملات، في اللحظة التي تصبح فيها غير مفيدة، لقوى الهيمنة الدولية أو الإقليمية.

أما الأوجه الأخرى لمشكلة الأقليات التي ترتبط بحدود التجزئة  المفروضة من قبل قوى الهيمنة لإيجاد كيانات مصطنعة متناقضة تحمل بذور الحرب الأهلية.

فعلى سبيل المثال، لنلاحظ ما يجري في العراق في الشرائح السنية، فالأغلبية السنية العراقية ليست كلها، عربية، بل تتضمن فئات كردية وتركمانية.. والسنة العراقية بعربهم وكردهم وتركمانهم، يشكلون أقلية إسلامية، بالنسبة للأغلبية الشيعية العراقية. والتي هي بدورها، أي الشيعة.. ليسوا عرباً بكليتهم!!

وأكثر من هذا وذاك.. فإن نظام الحكم القائم على الحزب الواحد هو في النهاية حكم الرجل الأقوى والمقربين منه، وهذا يعني أن السلطة بيد الأقلية، ليس بالنسبة للطوائف والقوميات الموجودة في العراق فقط، بل أيضاً بالنسبة لحزب البعث نفسه، وهذه الحالة أصبحت مفهومة لدينا، كما رأينا سابقاً، ولم نغفل عن ذكر السياق الاجتماعي الذي يساعد على ظهورها واستمرارها، بل لم ننس أن نذكر إيجابياتها في مراحل معينة وظروف محددة.

ولكن المغزى من السؤال- ليس هنا- بل هو في إطار العراق نفسه، فالعربي المسلم السني لا يشعر بأنه يمثل أقلية في العراق، لأن العراق جزء من الوطن العربي، حيث الغالبية هم من العرب، والإسلام السنة، والأوساط الاجتماعية العربية السنية تساعد على ظهور حركات قومية تتجاوز الإطار الإقليمي باتجاه الوطن العربي، ومثل هذه الحركات هي النزوع الطبيعي، والقدر المحتوم، لهذه الأوساط في الأحوال العادية، التي لا يوجد فيها ضغوط وظروف عاكسة، كما أن الشيعة العراقية- بسبب ضغوط قوى الشخصنة السنية التي تكفرها.. لاختلاف في الطقوس والتاريخ تجد نفسها أقرب إلى إيران من الناحية الدينية واقرب إلى العرب من الناحية القومية! لذلك فإنها تشهد حركات تتأرجح بين الاتجاه العربي والاتجاه الإسلامي.. ولنفترض أن هناك أقلية في العراق، فهي ليست أقلية على المستوى العربي الإسلامي.. لأن الثقافة العربية والإسلامية محور الشخصنة الشيعية والسنية سواء أكانت في العراق، أو في إيران أم في مصر أم في تركيا.

لذلك فإن مشكلة الأقليات يمكن أن نجد لها حلها الأسلم ضمن الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي، ليس لإعلاء العروبة، بشكل مصطنع، ولا لتمجيد الإسلام بشكل فارغ، بل لأن هذا المحور يشكل بالفعل- ضمن تلوينات مختلفة- الإطار العام في ديار العرب والمسلمين. والحالة نفسها نجدها في المغرب، حيث العرب يمكن أن يكونوا أقلية، ولكن العربي لا ينظر إلى حدود المغرب نفسه، بل إلى حدود الوطن العربي كلاً.. ومعه كل الحق في هذه الرؤية!! ليس لتجاوز الشخصية البربرية أو لطمس حقوقها الثقافية الإنسانية التي لا تتعارض مع الشخصية العربية، بأي شكل من الأشكال، بل لتأكيد هوية (الذات) الثقافية الأقرب إلى الإسلام تاريخياً واجتماعياً وسياسياً، وهذه الهوية (الذاتية) العربية لها مصلحة واضحة في التعايش مع البربر لإحباط مخططات قوى الهيمنة التي تستهدف العرب والبربر، على السواء، كما أنها تستهدف الشيعة والسنة على السواء، وتستهدف العرب والفرس والترك أيضاً، فالآخر الاستعماري لا يميز بين العرب من هو مسيحي أو مسلم؟ إلا بحدود مصالحه الضيقة الآنية الذرائعية.. وإلا فلماذا يدعم اليهود في فلسطين ضد الفلسطينيين (المسيحيين والمسلمين) على حد سواء.

ولذلك، فإن موضوع الأقليات بحاجة إلى مقاربة أخرى لاحتواء أزماته.. والفئوية الحيوية العربية الإسلامية، هي وحدها، التي يمكنها أن تحول هذه المشكلة إلى عامل غني ووحدة بدلاً من كونها عامل تفريق وتبغيض وتكريس للانحطاط والتبعية.

كما أن معالجة الأقليات من خلال الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي، يسهل انتقال المشكلة، إلى مستوى سياسي بحيث لا تكون الأغلبية أو الأقلية قائمة على روابط عضوية، بل على رؤية سياسية.. قابلة للتحول من أغلبية إلى أقلية وبالعكس، وتحتوي شرائح اجتماعية متنوعة الانتماءات وموحدة الالتزام. وضمن هذا المفهوم السياسي للأغلبية والأقلية يمكن حل كل القضايا المتعلقة بالتنوع الفئوي.

فعلى المستوى السياسي الرسمي، لا يمكن أن يكون هناك رؤساء ووزراء ومدراء بقدر عدد السكان وهذا غير مطلوب. ولكن المطلوب جعل الجميع يشعرون بأن من في الحكم يعبرون عن مصالحهم العامة.

إذا كان لا بد في النهاية من وجود نسبة قليلة هي التي تقوم بتسيير دفة الحكم، فإن المشكلة ليست هنا، بل المشكلة في المصالح التي تدير وتوجه الحكم إلى تحقيقها داخلياً وخارجياً.

من هذا المنطلق.. فإن التنوع الفئوي مفيد وليس فيه ما يضر مهما كان شكله!! ما دام سيفضي في النهاية إلى اتفاق حول ما يمكن جعله محوراً لأغلبية سياسية حيوية وتقرر حكومة لإدارة الشؤون الحيوية للجميع، لمدة محددة وأهداف مقرة من الجماهير بانتخابات حرة!!

ولنأخذ قضية الأكراد في (العراق وتركيا وسوريا وإيران)، فهم يعانون بالفعل من تمايز عنصري، بشكل أو بآخر، هنا وهناك يحرمهم من (دولة قومية) كالتي يتمتع بها غيرهم، وبالتأكيد فإن الاتجاهات الانفصالية السائدة فيهم تحوي الكثير من المصالح الاستعمارية والتفتيتية.

ولكن ولو كان هؤلاء في سياق حيوي يوحد سياسياً هذه البلدان وبالتالي يزيل الخطاب القومي الشوفيني المتمايز عنصرياً عن الآخرين والنافي الديالكتيكياً لهم ترى: أفلن يكون ذلك عاملاً مساعداً لتخلصهم من عقدة الدونية والنقص؟ ألن يكون ذلك حافزاً على الاشتراك في الحياة السياسية للمنطقة، ومحرضاً على المساهمة في تكريس المصالح الحيوية العامة للعرب والمسلمين بوصفها- أيضاً- مصالح حيوية كردية أيضاً.

ولذلك فإن الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي، يصلح لتجاوز إشكالات خطيرة مؤذية ومؤلمة، نعيشها في شتى الأقطار العربية والإسلامية، ويمكننا من حلها بأفضل مما يتم في الغرب.

وبالطبع فإن ذلك يجب ألا يأتي فرضاً أو تعسفاً، بل يكون من خلال تكوين رأي عام حيوي موجه باتجاه مصالح واضحة مقبولة من الأغلبية العربية الإسلامية!!

إن افضل ما نتوخاه، في هذا المجال، من الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي هو القدرة على رؤية (الآخر) ومصالحه المشروعة بالوقت نفسه، الذي نستطيع فيه أن نرى (أنفسنا) رؤية لا تشوهها مفردات ومزايا العقلية الأحادية، التي تجعلنا نرى (أنفسنا) مضخمين وطاهرين، بينما نرى الآخرين مقعرين ومقزمين وأنجاساً ملعونين.

والمطلوب رؤية حيوية بديلة تجعلنا نرى (الآخرين) في أنفسنا، وأنفسنا في الآخرين، والآخرون المقصودون- هنا- ليسوا الغربيين، بل هم الذين يعيشون بيننا وينتمون إلى ديارنا، وفي صيغة التعايش الفئوي كأقليات، وهنا لن نتطرق بشكل مفصل لهذه المشكلة ويحسن بنا تحويل القارئ إلى كتابنا (المنطق الحيوي)، ليقرأ ما كتبناه في هذا الموضوع، وليجد أن الانتماء إلى أقلية أو أغلبية لا يمثل إدانة أو وساماً، كما أن ذلك لا يتم باختيار فردي، أو خارج عن القانون الحيوي، بل يتم ذلك ضمن اختيار جماعي، تلعب- فيه رموز الجماعة وتاريخها، والانحدار بالولادة منها، والعيش معها، ونفسيتها، والضغوط المحيطة بها، أدواراً مؤثرة في مصيرها بشكل قد يجعلها تتأرجح بين رأس القمة وقعر الوادي.

ولذلك يتوجب أن نخصص وقتاً وجهداً حيوياً، نظرياً وسياسياً لاستفادة مما تمثله الأقليات من دروس تاريخية على المستوى الثقافي والعقائدي والسياسي، كيف ظهرت؟ وكيف استطاعت الاستمرار؟ وكيف يمكن أن نستفيد من الجوانب الإيجابية في تجربتها؟! وذلك باستبعاد صيغ الاتهام المسبق باليهودية والصهيونية، إذ من المعروف أن الشخصنة الإسلامية، تصور أن الأقليات هي دسائس اليهود لهدم الإسلام من الداخل..

والملاحظ في هذه العقلية هو أنها وبكل بساطة عقلية كاريكاتورية فضائحية تبسط الأمر لأن عقليتها ومصالحها الاجتماعية تملي عليها اتباع الطريق الذي يجعل من هذه الأقليات مصدراً لاسترزاق والاستثمار المتعدد الأوجه، وذلك بالدعوة لمحاربتها، أو محاصرتها، أو تكليفها بالأعمال القذرة والتباري في إظهار غيرة الدين ضدها!! وهو أمر لا يكلف شيئاً غير تهييج الناس وهم الأكثرية على خوض معركة الانتصار فيها مضمون ضد هذه الأقلية اليائسة المقهورة الفقيرة المعزولة!! والتاريخ القديم والحديث مليء بهذه الأمثلة.

وهذه الحالة من الضغط والإرهاب هي، بذاتها، تجعل عوامل الانغلاق الداخلي أكبر لدى هذه الأقليات ويجعلها تشك في وجود إمكانية للخروج من هذه العزلة!! وبما أنها مفروضة فلتكن ولنسع إلى الانفصال!َ لتكون لنا دول نعيش فيها بكرامتنا ودون شعور بالخوف أو الذل، وإذا كان الاستعمار سيستفيد من الانفصال ليكن!! فالاستعمار أرحم!! وهذه الحالة من التبرير للانفصال يمكن أن تتم ضمن الطائفة الواحدة والقومية الواحدة كما جرى في الانفصال السوري عن مصر، حيث كانت التبريرات، أن المصريين أكلوا الأخضر واليابس، وأن المصريين يعاملون السوريين بفوقية وعقلية فرعونية أقسى ألف مرة من عقلية الاستعمار الغربي (وبما أن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة) فإن تبرير الانفصال والانعزال بدويلات كرتونية يمكن أن يحدث باستمرار بوصفه ردود فعل متشجنة، فالإرهاب يولد الإرهاب، والنقمة تولد الحقد والانتقام!! وهذه الحالة من الصراع الانتحاري، كفيلة بإدامة نمط وجود الأقليات إلى قرون أخرى، وذلك لأن تراث جيل من الأجيال قد يبقى حياً، على الأقل، أي ما بعد أربعة أجيال!! ويحتفظ بقدرته على الانتقال في الذاكرة الجماعية، إلى عدة قرون، حتى دون وجود وثائق مكتوبة!! إلى عدة قرون، وهذا التراث المرير يجد مصداقيته باستمرار في أنماط رد فعل الأغلبية!!

ولا مجال لأي حوار على مستوى الدعاوى النظرية التي تبرر بها كل فئة وجودها ووجود الآخرين، لأن هذه الدعاوى بكل بساطة هي دعاوى متحيزة، فكرة تبريرة تمليها ضرورات الصراع!! وهذا لا يعني انعدام وجود وقائع موضوعية، يستند إليها الصراع! إنما يعني أن معالجة تلك الوقائع كان في أحد جوانبه، وعند أحد الطرفين، على الأقل، وفي وقت محدد، ابعد ما يكون عن النزاهة والموضوعية، ومثل هذه المواقف متبادلة باستمرار! لأن ضرورات الصراع سرعان ما تؤدي بالفعل إلى تحالفات جديدة، الأمر الذي يعزز المخاوف المسبقة لكل طرف.

ولحسن الحظ فإن التاريخ المعاصر يعطينا مثالاً واحداً يسفه مرة واحدة، كل المنطق الذي يقول إن اليهود هم وراء كل الأقليات والفرق الإسلامية أو المسيحية!! فاليهود استطاعوا إيجاد دولة علنية لهم في قلب الوطن العربي، وأعلنت هذه الدولة اليهودية الحرب العلنية على كل الطموحات المشروعة للجماهير العربية والإسلامية!! الأمر الذي جعل الظاهرة اليهودية تدخل من جديد في حلقة انتحارية ضد نفسها أولاً.

          واستطاعت هذه الدولة اليهودية العنصرية العدوانية المتعاونة- علناً- مع مخططات الاستعمار العالمي، أن تقهر إرادة عدة دول عربية وخلال أقل من ثلاثين عاماً يمكننا ملاحظة أن معظم الحكومات العربية المتعاقبة في العالم العربي الإسلامي كانت متواطئة بشكل أو بأخر مع المصالح الصهيونية!! وهؤلاء الحكام في معظمهم ينتمون إلى الأغلبية بحيث يجوز التساؤل هنا أيا كان يعمل لصالح الصهيونية، الأغلبية أم الأقلية؟ ثم لماذا نتهم الأقليات باليهودية المبطنة، مع أن اليهودية المعلنة كان معترفاً بها على مر التاريخ الإسلامي، حيث لم تحدث مجزرة واحدة ضد اليهود كيهود أو المسيحيين كمسيحيين!! والمجازر كانت كلها ضد الأقليات الإسلامية!! ترى؟ ألم يكن من المنطقي التوجه مباشرة إلى راس الأفعى! ما دامت هي راس الداء، والعقلية التآمرية التي تضع اليهود وراء كل فتنة على الأرض متفشية فقط في الأديان التي نقلت عن اليهودية كل شيء: من فكرة التوحيد، إلى طقوس الختان وتحريم لحم الخنزير والحجاب، وربط الدين بشؤون السياسة والاعتقاد بمشروعية احتكار حاكمية الله وبقصة آدم والأنبياء الإبراهيميين جمعياً، بحيث لا يوجد بيت مسيحي أو إسلامي إلا وفيه اسم من اصل يهودي، وفكرة من أصل يهودي، ومع ذلك فإن كل كتل المسيحية والإسلام تتهم غيرها بوصفها دسيسة يهودية، ترى هل حقاً اليهود هم بهذه العظمة والحيوية؟! ليؤثروا- وهم في العالم كله لا يزيدون عن (15) مليوناً فقط!!- بمصير المليارات، إنه إذن توفيق رب العالمين لهم، وخذلانه لأعدائهم لو تعلمون!!

 

 (د)

التعددية السياسية في الميثاق الحيوي

والمخرج الحيوي من مأزق العقلية الاتهامية التآمرية هو السعي إلى بلورة أغلبية باتجاه حيوي عربي إسلامي متعددة في صيغ تعبيرها الفئوي السياسي، بحيث يصبح مفهوم الأغلبية والأقلية مفهوماً سياسياً فقط، ترى أليست الطوائف الإسلامية- أساساً- هي أحزاب سياسية موروثة من قرون الانحطاط؟!

وعندما يصبح الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي معيشاً بصفته رأياً عاماً موجهاً على المستوى السياسي أو باعتباره ميثاقاً، ترضى به الأغلبية، عندئذ فإن وجود فئويات مختلفة لا يشكل تهديداً بمقدار ما يشكل تحريضاً على تجذيره ومراجعته بشكل قادر على تلبية المصالح المشروعة حتى للمختلفين معه لأسباب مشروعة وبريئة وقانونية.

وضمن هذا الاتجاه الفئوي يمكن أن نتوقع قيام اتجاهين عامين انطلاقاً من هوية حيوية عربية إسلامية:

الاتجاه الفئوي الأول: هو (اتجاه (قوى الشخصنة) التي تجسد الموروث الاجتماعي وتغلقه.

الاتجاه الفئوي الثاني: هو الذي يرفض الموروث الاجتماعي بوصفه انحطاطياً، ويسعى للتجديد وهؤلاء (قوى التفرد).

إن الاتجاه الفئوي الثاني الممكن، هو اتجاه قوى التفرد، فإنه على العكس من ذلك يضم النزعات التجديدية، ويتميز بالسعي لتجاوز الموروث السائد والزعامات التقليدية، وهذا الاتجاه سيغلب عليه طابع الشباب والمتحمسين لخروج سريع، وانعطافة فورية وكلية نحو التغيير النهوضي، وهذه الشرائح يمكن أن توجد بين المهاجرين من الريف إلى المدن، أو بين الذي يعيشون أوضاعاً مضغوطة من قبل قوى الشخصنة، وينضم إلى هؤلاء بشكل عام، شرائح من الفئات التي تجد حدود موروثها الاجتماعي والنفسي، يسبب الضيق والعزلة والحصر ضمن هويات لا تسهل المرور والتفاعل الاجتماعي.

وبالطبع فإن قطاع المبدعين يشكل مجالاً خصباً لاتجاه قوى التفرد، خاصة بين الفنانين والشعراء والكتاب والمثقفين، لأن التجديد هو هاجس الإبداع في كل العصور، وهو هاجس ثقافي يسعى عبر الثورة الثقافية، إنجاز ثورة في الواقع!! وإذا كانت هذه الفئة لا تشكل قطاعاً جماهيرياً كبيراً، فإن لها نفوذاً شعبياً يخترق التعينات والشرائح التقليدية ويمكن لها أن تشكل بشكل حاسم في تيارات الرأي العام بمختلف اتجاهاتها.

ولكن الشريحة الأهم والأكثر قابلية للانضواء ضمن اتجاه قوى التفرد هي فئة الطلبة الشباب، ففي هذه الشرائح نجد الاستعداد للتضحية والتجديد والانفتاح الذي يصل إلى ذروة خطه البياني، في عمر الإنسان.

ويمكن في حالة وجود أراض محتلة، وجيش وطني ينهض إلى حمل مسؤولية التحرير لهذه الأراضي، فإنه يمكننا- والحالة هذه- أن نضيف الجيش إلى هذه الفئات لأن نظامها المهني يجعلها قوى جاهزة للتضحية في سبيل تحرير الوطن ووضعها النفسي بوضعية الاستعداد للتضحية يجعلها- أيضاً- أكثر تهيؤاً لتجاوز الانغلاق والانطواء، ولكن بروح تكتيكية تضمن تقليل الخسائر وتحقيق النصر بأقصر الطرق!! ولم لا؟ فهذا عملها إن أجادته؟! وللأسف فإن جيوشنا التي تضم خيرة الباحثين عن التغيير امتلكت الخبرة اللازمة لعزل وتسريح وإبعاد وتهميش وطرد العناصر الأكثر حيوية فيها بدءاً بالرتب الصغيرة، ولذلك كلما ارتفعت الرتبة العسكرية أصبح ذلك يعني البعد أكثر عن هموم التغيير والغرق في هموم المنصب والجاه والراحة، ولذلك فإن كل الضباط الذين شاركوا بفاعلية في حركات انقلابية ثورية كانوا ضباطاً صغاراً وهؤلاء أنفسهم لو انتظروا فترة أطول لما غامروا وعرضوا أنفسهم للموت في سبيل أهدافهم.

ولقد توقفت لحظة عند العسكريين لا لنتحسر عليهم، ولا أملاً في مساعدتهم في إيجاد فئويات سياسية تعتمد الجيش والمليشيات العسكرية، بل لنقول إن مثل هذا الاحتمال، لا يمكن قبوله إلا في ظل أوضاع يشارك فيها الجيش بمعركة تحرير وطني، وفي هذه الحالة فإن المشاركة السياسية الممكنة من العناصر العسكرية المتطوعة للقتال والتضحية تكون حيوية بمقدار مساهمتها في جعل الساحة السياسية مفتوحة لصيغ التعبير الديمقراطي الذي يجعل الجيش ينفذ أهدافاً مقبولة من الأغلبية السياسية وليس أهدافاً حزبية ضيقة.

وفي حين يمكن إيجاد فكرة سهلة التحضير نسبياً لتضم قوى الشخصنة وترسم أهدافها ونظامها، فإن قوى التفرد لا تستطيع بسهولة، الاتفاق فيما بينها على فكرنة موجودة وفاعلة.

وفي مجال الشخصنة تكون الرموز التوفيقية المقدمة معيشة، وسهلة التذكير، والتعميم وسهلة الإقناع، فهو موروثها المعيش بشكل أو بآخر.

أما قوى التفرد فإن الصعوبات تنجم عن صورة المستقبل المنشود، وعن صورة الوسائل والصعوبة تكمن في أن الفكرنات المستقبلية التجديدية تحتاج إلى صورة، ورؤية براقة للمستقبل، وهذه إما أن تستعار من الماضي السحيق، وإما أن تنسج من الخيال.

وصور الماضي، هي التي بقي لنا منها المظاهر الإيجابية، ولكن هذه القيم يمكن أن تكون أرضاً مشتركة مع قوى الشخصنة، التي ترضى بتقديس هذه المراحل التي مرت في الماضي!! وبالتالي فإن الأمر قد يجرها إلى منزلقات الانضواء تحت قيادة قوى الشخصنة، أما صور المستقبل المنسوجة من الخيال، فهي تقوم على مستقبل يزول فيه الظلم والضعف والعقم والفاقة ويصبح كل شيء جميلاً على وجه الأرض.

وفكرنات قوى التفرد الباحثة عن استعادة نموذجها من الماضي الذهبي وتلك التي تبحث عن نموذج مستقبلي جديد كلياً وتحقيق الجنة على الأرض، كلاهما سيعاني من أزمة المصداقية!! التي تجعل الماضي الذهبي قابلاً للإعادة أو أن الجنة قابلة للإحلال على الأرض والمصاعب الممكنة في حالة هذه الفكرنات، هو أن تؤدي إلى مقاطعة فكرنات الشخصنة، وعدم الاستفادة من فاعليتها وإلا فإنها بكل بساطة ستصبح تقليدية وتكرس الواقع الذي ترفضه.

من هنا، تنبع صعوبة فكرنة قوى التفرد، ولذلك فإن عليها استخدام تقنيات جديدة تستند إلى معطيات العلم، ومتطلبات العصر لتثبت أن قوى الشخصنة تفهم الموروث فهماً محنطاً صنمياً، وأن الحقيقة هي شيء آخر!!؟ أو أنها تؤكد أن العلم والعصر يفتحان معطيات لتجاوز الماضي كلياً، وأن من لا يسير في هذا الاتجاه فإنه سيتحول إلى مستحاثة أثرية أو سيكون ضد الحياة!!

وصعوبة فكرة قوى التفرد لا تقف عند صيغ النفي والتشكيك الموجه إلى عملها. بل تتعدى ذلك إلى الأصول التنظيمية والسياسية التي تفرض الصيغ التقليدية وتحتاج إلى صيغ جديدة تتناسب وطموحاتها، وهذه الصعوبة لا تواجهها قوى الشخصنة، لأن قيمها التنظيمية تقوم على تقاليد معروفة، فالكبير يأمر الصغير والغني يأمر الفقير، وابن البكر يحمل الراية والأسرة المعروفة بزعامتها هي التي تهيمن؟! والطموح لا يتعدى إعادة ترتيب الواقع بحيث تشذب الأخطاء وتغلق الأبواب أمام (صعاليك) قوى التفرد؟! ولا تحتاج في صيغة عملها إلى السرية إلا في لحظات محددة، ومسائل محددة وهذا، على عكس، قوى التفرد التي تحتاج إلى صيغ تنظيمية غير تقليدية وتدعو إلى تغيير الواقع جذرياً.

وبالطبع فإن قوى متطرفة في اتجاهات الشخصنة والتفرد يمكن أن تظهر في حال تعرضهما لصعوبات لا تحل بالطرق العادية، عندئذ سنرى أن رموز العنف (كالقبضة) والشعلة والسيف والزوبعة والبلطة والكف الأسود أو الأحمر.. الخ تجد طريقها إلى فكرنات المتطرفين، في قوى الشخصنة والتفرد، على السواء، حيث يصبح الاقتتال بين فئات الاتجاه الواحد دموياً لأدنى اختلاف، وهذه الصيغة لقوى الشخصنة والتفرد هي التي تسود العالم العربي الإسلامي وتتجلى بعقلية أحادية عاجزة عن إيجاد أرضية مشتركة.

ونحن – هنا- لا نطالب بأرضية مشتركة تمحو الاختلافات، بل نريد تشجيع الاختلاف والتنوع والبحث عن تنوع وتعدد البدائل على أرضية المصالح المشتركة، وضمن الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي، يمكن إيجاد قاعدة مشتركة لانطلاق تيارين فئويين كبيرين:

يمثل الأول: قوى الشخصنة، ويمثل الثاني: قوى التفرد.

 

(هـ)

  

 الامام الحيوي جمال عبد الناصر

_دبكة الصعايدة

 

قيل قديما ان الناس على دين ملوكها ولاحظ ابن خلدون ان الناس يتاثرون بملمبسهم وماكلهم وافكارهم بمن هو اقوى منهم ؟؟.. وكما ان الدول والمجتمعات القوية الاوربية  غدت قاعدة  محرضة موجهة  للنهضة في  واقعنا العربي الاسلامي... فان الدول القوية في اي من الاقطار العربية ولاسلامية  .. غدت بدورها قابلة للتاثير في باقي اقطار العالمم العربي والاسلامي.. وتعد الفنون عامة  بما فيها من  ازياء  واغاني ورقصات  ودبكات ..الاسهل  والاكثر  قابلية للانتشار والنفوذ في حال نهضة وقوة الدولة المنتجة  ...

واخذت القاهرة  هذا الدور مع عبد الناصر بشكل غدت فيه دبكة الصعيد اجمل ما تهفو النفس العربية والاسلامية للمشاركة فيها..     

 ومن ذلك عد عبد الناصر، بالنسبة لقطاع كبير من الرأي العام العربي، بستحق صفه الإمام الأكثر حيوية، منذ قرون عديدة، لكونه نقطة حيوية مضيئة، أو الأكثر إضاءة، حتى بالنسبة إلى الذين اختلفوا معه. وعلى الرغم من الأساطيل الإعلامية التي وجهت للقضاء على صورته ومكانته، فإنه ما يزال بالنسبة لقطاعات كبيرة، أهم رمز حيوي يدل على قدرة هذه الأمة في التجدد، وعلى أخذ مكان في العالم.

كيف تحقق ذلك لعبد الناصر؟! رغم أن أي ناصري اليوم، ومن قبل، يستطيع أن يسرد لك مئات الأخطاء.. التي وقع فيها عبد الناصر!!.. وبالطبع، يستطيع غير الناصريين أن يسوقوا أسماء كثيرة، لا تقل حيوية عنه. فلماذا – إذاً – له تلك المكانة..

للإجابة عن هذا السؤال، فإننا يمكن أن نلخصه، بما يمكن تسميته ب،"الفقه الإسلامي الناصري" الذي عبر عنه في مجمل خطبه وأعماله التي سعى بها لإيجاد أساس فقهي إسلامي للحرية، والاشتراكية والوحدة، ومحاربة الظلم والاستعمار.. ومع أن الوثيقة المعروفة بـ"التقرير"، والتي أتت على هامش "الميثاق" أتت بعيدة عن صيغ التعبير الماركسي، كما جاءت في الميثاق، وصنفها بعض الناصريين بوصفها "رجعية".. إلا أنها تتضمن إشارات هامة تعبر عن حدس حيوي لكثير من القوى الناصرية بقراءة عبد الناصر من خلال التراث ومحاربة قوى الشخصنة الإسلامية بسلاحها نفسه، بوصفها قوى تتاجر بالدين!! وفي "فصل الدين والمجتمع"([3]) تم استحضار كثير من الآيات التي تدعم الحرية والاشتراكية والوحدة، وأنجحها كان الاستشهاد بالآية التي تنص: (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) (الحشر 59). كما يورد بيان السلطنة العثمانية حول الثائر عرابي بوصفه ضد الإسلام "فقد اعتبر ذلك البيان عرابياً، عاصياً للسلطان والخليفة الأعظم، ومخالفاً للشريعة الإسلامية الغراء، ومضاداً لها بالكلية".. وفي ذلك إهالة قوية على الشخصنة الإسلامية العثمانية.

ولكن ثمة أوجه للقصور.. كثيرة.. أنت في الميثاق والتقرير، كما في الإعلام القومي عامة "هنا وهناك" حيث أنها تستخدم تعبير "رجعية" لتصف به العقل السحري الغيبي وتربطه بالتآمر والخيانة.. وهو أمر فيه تجنٍ واستعداء، لكثير من المتدينين المناصرين للعروبة والمعادين للاستعمار.. والذين كان قسم كبير منهم يوالون عبد الناصر نفسه!! ولكن، فإنهم، وبعد الهزيمة.. وفي عهد السادات.. استطاعت قيادة قوى الشخصنة استرجاعهم لأسباب عديدة.. منها، الهزيمة السياسية، فالناس مع المنتصر.. والانتصار هو البرهان على حيوية أي فقه.. ولذلك، فإن أهم ما تبقى من ذلك الفقه الحيوي الناصري، هو الشعار الذي كان يرفعه عبد الناصر ويكرره: "ارفع رأسك يا أخي العربي فقد ولى عهد الاستعمار".. فهذا الشعار لم يمت، ولن يموت رغم الهزيمة، لأنه أساساً، ضد الهزيمة وضد التسليم بها، وهذا أول حجر في فقه المصالح.. أي عدم اليأس، وضرورة شحذ الأمل..

ترى هل هذا الشعار كافٍ كي يلهم من يرفعه، القيمة الحيوية التي أرادها أو أخذها عبد الناصر؟!

الإجابة هي النفي. وأكثر من ذلك فإنه من الخطأ الاعتقاد أن حيويته كانت تعود لسيطرته على وسائل الإعلام، إذ لم تعد صوره في كل مكان!! ومعظم الأنظمة العربية لديها الآن أساطيل إعلامية، وأطنان من الصور.. ومع ذلك، لا أحد منها له نفس القيمة التي كانت لعبد الناصر وما تزال..

إذاً ما الأمر؟!

الإجابة تعود إلى فقه المصالح الناصري، الذي كان يستلهمه عبد الناصر في إمامته لبناء إقليم حيوي قاعدي، ليقود بفعالية نضال العرب والمسلمين وأفريقيا والعالم الثالث. ضد قوى الهيمنة..

وكان الفقه الناصري، يدرك أن الحد الأدنى للمصالح الحيوية يتطلب، أولاً بأول تحقيق الاستقلال السياسي، وتحصين القاعدة الإقليمية بالجماهير العريضة، بوصفها صاحبة المصلحة الأولى في الحياة والحرية.. وبوصفها الثروة الأولية لأية مبادرة حيوية.

ولذلك، ومع أن عبد الناصر خرج من أوساط شخصنة إسلامية.. فإنه سرعان ما وجد نفسه يلتحق بقوى التفرد، ويصبح إماماً للجماهير العربية ولغالبية قوى الشخصنة الإسلامية يساعدها سلوكه العملي مع نفسه، وعائلته بالتخلي عن كثير من الطقوس الثانوية كالحجاب، ولباس المرأة المتزمت.. كما أنه قام بفتح الأزهر للعلوم والمعارف غير الدينية، للاستعانة بها في المصالح العامة، ضارباً عرض الحائط بكل الأصنام السحرية بل والطقوسية المعيقة عن المعاصرة.. ولذلك سرعان ما وجد نفسه في مواجهة مع قيادة تيار الشخصنة الإسلامية الذي أخذ يكفره ويخونه.. ولكنه استطاع التفوق عليه وانتصر في إخراج قطاع كبير من جماهيرها لتحتذي به وبمفاهيمه بوصفها إسلامية ناصرية.. كما أنه استطاع تحقيق الاستقلال المصري عام 1956 في معركة كانت هزيمته العسكرية هي أداة النصر.

كيف ذلك ولماذا؟ وهل تابع الانتصارات؟ ليس هنا مجال الإجابة عن ذلك. ولكن النتيجة الأولى لانتصار 1956 كان اللقاء مع أول قطر عربي نال الاستقلال منذ 1946 وهو سوريا.. وبصورة تفوق توقعاته، هو نفسه وجد نفسه إماماً حيوياً يقود أول دولة عربية تضم مصر وسوريا منذ قرون.. وتصبح الجمهورية العربية المتحدة بإقليميها قاعدة حيوية للمد التحريري المواجه لقوى الهيمنة الدولية من الجزائر إلى اليمن والمتلاقي مع كل حركات التحرر في العالم الثالث.

وهنا يرغب كثير من العرب طي الصفحة لعدم فتح الباب لصفحات السوء والتي بدأت

دبكة تكريت ودبكة سرت 

وقد حاول رفع الراية من بعده وتحقيق الإقليم والقاعدة.. كل من صدام في العراق، والقذافي في ليبيا. ولم يستطع أي منهما أن يمتد شبراً واحداً خارج العراق أو ليبيا، بل إنهما معاً الآن يعانيان الحصار الشامل.. ورغم ثرواتهما النفطية الهائلة فإن بلديهما نماذج عن الفقر والتخلف.

ترى هل يعود ذلك إلى كونهما اتبعا طريق عبد الناصر؟! الإجابة هي النفي والإيجاب معاً.

فالناحية الإيجابية، تعود إلى فهم كل منهما إلى أن عبد الناصر كان مجرد إذاعة وصور لا يجرؤ أحد على عدم رفعها، حتى في غرف النوم.. والى أن عبد الناصر كان مجرد زعيم لمعتقل كبير، يضع فيه الناس والخبرات باسم القطاع العام.. وزنزانات يضع فيها خصومه.. إن لم يعدمهم.

هذه الناحية ليست بعيدة عن الصحة، في مرحلة من مراحل عبد الناصر.. وقد ورثها وضخمها نفط صدام والقذافي.. وكان سبباً في المصائب التي وصلا إليها.. ولم يتعظا بوصول عبد الناصر قبلهما إليها في الانفصال وهزيمة 1967.

أما الناحية السلبية التي تنفي كونهما سارا على طريق عبد الناصر.. فهو عدم انتباههما إلى الدروس التي استفادها عبد الناصر، بعد الهزيمة وكانت في غاية الوضوح وهي أن معركة العرب الأولى هي الوحدة ضد قوى الهيمنة الصهيونية.. وأن العرب، في هذه المعركة، يجب أن ينطلقوا من مواقع عقلانية، تقبل التعاطي معه معطيات العولمة الدولية السياسية المتمثل بالأمم المتحدة، وقراراتها بوصفها أرضية، فيها من الأصدقاء أكثر من الأعداء (الاتحاد السوفيتي، الصين، فرنسا) "وقتها!!" وضرورة التوقف عن الأساليب الغوغائية الخطابية المجانية في المواجهة.. والإقرار بأن قبول عضوية إسرائيل للمنطقة ضمن حدود معروفة ومحددة، أفضل من تركها للتوسع، في كل مناسبة.. ولكن الجانب الحيوي الأهم، فيما تبقى من الفقه الناصري العملي كان حرصه على البحث عن الوحدة العربية من خلال التركيز على بناء القاعدة الإقليم.. وحتى عندما تم انفصال سوريا فإنه اعتبر أن بالإمكان تقليل حجم تلك المأساة، وتلافي تكرار تلك الكارثة بعدم قبول أية وحدة، وبأية ظروف، والتركيز على البناء الداخلي بوصفه قوة الجذب الحيوي.

ولهذا السبب، فإن تصيده في هزيمة 1967 كان المقصود به استنزاف قوة الجذب الحيوي للإقليم المصري، والتحطيم السريع لصناعة الصواريخ التي كانت في بدايتها ولم يستطع إعلامه السيطرة على رغبته في التباهي بها.. وهي ما زالت قيد الإنشاء ولو أنه استطاع حمايتها لكانت مصر، الآن، قلعة من قلاع الاستقلال العالمي!!..

وقد فهم عبد الناصر مقاصد تلك الهزيمة جيداً، وعرف أن لا قضاء على الهزيمة إلا بتجنب المعارك الجانبية وفي مد الجسور لكل الأنظمة العربية والعالمية التي يمكن أن تدعم صموده من خلال رفع أهداف متوازنة معقولة قابلة للتحقق وهو رفع الاحتلال عن الأرض المحتلة بعد 1967، ولذلك، فإنه سحب قواته من اليمن، وقبل معونات الملك فيصل، والدول الخليجية، وفتح لها المشاركة، في إزالة الاحتلال، التي وصلت إلى قمتها في حرب تشرين – أكتوبر 1973 من بعده.

والمتأمل في تجربة العراق وليبيا يلاحظ بعداً كبيراً عن هذا الدرس. فشعارات المواجهة مجانبة، وتخوين حتى اللذين قبلوا القرار (242) لا يهتز لها رمش، والعمل على البعد عن أي ترابط مع دول المواجهة القريبة منها،.. ومن ذلك فإن صدام الذي لم يعط سوريا شيئاً يستحق الذكر.. بل دعم السادات بالمليارات، بعد توقيع اتفاقات سيناء.. ودعم عرفات والملك حسين لإبعادهما عن سوريا الأسد. وكذلك الأمر بالنسبة للقذافي الذي أعطى نفطه لكل من يرفع صورته من سيريلانكا إلى أيرلندا.. ولم يعط مصر أية مساعدة تدعم بناءها وصمودها مساهماً، بذلك، في دفع السادات إلى كامب ديفيد.

ولسنا بحاجة الى متابعة  رقصات صدام حسين والقذافي لانها رقصات داميه تراجيديه بامتياز

فرقصة صدام سببت بقتل مليونين عراقي وايراني خدمة للغرب والولايات المتحده وامراء النفط؟؟ وبعد ان انتهى من تلك الرقصه بخيلاء وبهاء غنت له سعاد الصباح وكل الكويت والسعوديه والغرب؟؟ وجد نفسه يذبح على المرقص العراقي ويسلم العراق ليصبح مرقصا للامريكان

و بعد ثلاث عشرة عاما من الرقص ذو الايقع الهادئ مع الامريكان والاكراد ؟؟ وجد نفسه فجأة في

قفص من الاقفاص  الامريكية التي تتسع له ولمن يحب من مشاهدي التلفزة عالميا ان يتمتع بمتابعة القمل يرقص بين شعره رقصة تكريت الاخيرة

اما القذافي فكانت رقصاته اكثر اثارة ؟؟ اذ طلق العروبه والقضية الفلسطينيه وذهب منذ سنوات يتعلم الرقص الافريقي؟؟

 

 الفقه الناصري الحيوي

ترى، هل يمكننا بعد ذلك، التحدث عن فقه ناصري حيوي؟! الإجابة هي نعم. وهو فقه إسلامي ديمقراطي حيوي. كيف ذلك؟ وهو الذي دخل في مواجهة مع التيار الإسلامي وأعدم سيد قطب؟!

أين الإسلام وأين الديمقراطية في ذلك؟

للإجابة عن ذلك فإننا بادئ ذي بدء لسنا مع إعدام سيد قطب، ولسنا مع الحزب الواحد.. ولا نريد تبرئة عبد الناصر من الأخطاء.

ولكن دعنا نتأمل سعيه لإنهاء الموروث الانحطاطي المتمثل في الإقطاع.. ورأس المال الاحتكاري. أليس في ذلك اتساقاً مع شعار العدل الذي يعده الإسلام معياراً لحيوية المجتمعات بل وأكثر أهمية من الإيمان.. ودعنا نتأمل في سعيه لفتح باب المشاركة السياسية لكل عربي سواء أكان مسلماً أم لا.. متديناً أم لا.. أليس في ذلك تعبير عن الحيوية التوحيدية للإسلام؟

ودعنا نتأمل سعيه إلى رفع معنويات الإنسان العربي وطمأنته إلى قدرته على التحرر، وأن عهد الاستعمار قد أصبح من مخلفات عهود بائدة.. أليس في ذلك تلمساً للمنطق الموحد للشكل الحيوي.. الذي يبشر بعصر الشعوب وعصر حقوق الإنسان وعصر الحرية للجميع!!

طبعاً، هذه السمات للفقه الناصري، يمكن تلمسها في بعض الأقطار، التي سعت لكي تكون إقليماً قاعدياً حيوياً كالعراق، وليبيا، واليمن، والجزائر..الخ. ولو كان عبد الناصر قائداً لمصر حتى الآن لما حدثت الحرب العراقية الإيرانية ولما حدث الاجتياح العراقي للكويت.. أو على الأقل ما كان ليسمح للتورط في معارك لا تفيد إلا قوى الهيمنة الدولية.. وضمن هذا السياق، فلو أن صدام انتصر في معركة الاستقلال وإعادة العراق إلى المستوى الذي استلمه عام 1979، لكان ذلك عملاً إمامياً حيوياً جداً.. ونعرف أن هذا صعب جداً، بسبب وجود مضاعفات التمايز الطائفي، السني، والشيعي والتمايز القوي (عربي – كردي) فوق بحار النفط.. ولأن الأمر صعب.. فهو حيوي، ويتطلب إمامة حيوية استثنائية.. يمكنها النهوض باستلهام الفقه الناصري.. السياسي.. التوحيدي.

هل هذا هو الفقه الحيوي الناصري.. أليس له جوانب نظرية؟!

الإجابة نعم، إذ على الرغم من أن الخطاب الناصري الرسمي استعار كثير من المقولات الماركسية ووقع في إغراءات النموذج السوفياتي.. إلا أنه في أعماقه وبصيغ علنية كثيرة كان يدعو إلى أصالة حيوية تجد جذورها في التراث العربي والإسلامي.. الذي كان يراه كافياً لكي يكون معيناً إلى بناء نظري يمكن به المشاركة في بناء العالم في العصر الحديث. وقد أشار أكثر من مرة إلى رغبته في التخلي عن رئاسة الدولية ليتفرغ للتنظير والتأصيل لإمامته بوصفها امتداداً للتراث العربي الإسلامي بلغة العصر.. (مؤتمر المبعوثين – عام 1966).

ولكننا من جهة أخرى، يمكننا أن نرى موافقته تزيين "الميثاق" بتعبيرات ماركسية يؤكد على ضرورة وإمكانات تجاوز الأصنام الطقوسية والطائفية والسحرية..

بالطبع، فإن مسؤولية التأصيل النظري السياسي، لا يمكن وضعها على كاهل شخص يمارس الأمور التنفيذية، وإلا لأتت على طريقة القذافي مجموعة من اللمحات الحيوية التي يمكن لأي مدرس علوم اجتماعية إعدادها من هنا وهناك.. والتي لا تصلح لشيء، ما عدا الإدعاء والتورم النظري.. والتي استخدمت، وبنفس المستوى لإنشاء وإزالة أمانة الوحدة العربية!؟ وفي الحالتين فهو يستند إلى الكتاب الأخضر جداً!!

إذاً من عبر عن الفقه الناصري ذلك.. هل كان عصمت سيف الدولة القومي؟ أم محمود أمين العالم الماركسي؟ أم محمود شلتوت الإسلامي؟

الإجابة عن هذا السؤال.. هو مدرسة دمشق للمنطق الحيوي، التي استلمت مسؤولية بلورة نظرية حيوية من نفس المنطلقات الوطنية الناصرية والبعثية.. ورفضت على نحو مبكر، أية استعارة أو هدنة مصلحية مع خطاب المادية التاريخية والديالكتيكية، دون النكوص عن مستواها العالمي وحدوسها الثورية الاشتراكية. وسعت لبلورة نظرية لا تقوم على مجرد ضرورة، أن تكون عربية المنشأ.. بل أولاً، وأساساً، أن تكون قادرة على التفهم المنطقي لتراثنا العربي الإسلامي ضمن الموروث العالمي ومعطيات العصر، فالتراث العربي الإسلامي، ليس أكبر وليس أقل، ولكنه يعبر عن منطق واحد في مبادئه ومتنوع في ظروفه.

ولسنا، هنا، لشرح مبادئ المنطق الحيوي.. ولكن لنشير إلى أن الحدوس العروبية الناصرية والبعثية الحيوية كانت بالفعل هي الموجه الأساسي للمبادرة الحيوية، دون تصنيم للعروبة!! ودون توقف على السمات الإيجابية للتجارب السياسية الناصرية والبعثية.. بل أيضاً وأولاً من خلال التجارب السلبية ومن خلال الهزائم.. ولذلك، فإن خطاب عبد الناصر الحارق، مباشرة بعد هزيمة 1967 والذي أبكى أعداءه من العرب قبل أصدقائه.. والذي تضمن الاعتراف بكل المسؤولية عن تلك الهزيمة.. نقول أن ذلك الخطاب، بالذات، وما جاء فيه من أن التاريخ سيثبت أن نكسة 1967 ستكون حافزاً على مزيد من النهوض للأمة العربية. نقول: هذا الخطاب، بالذات، كان بمثابة أمر القتال الذي استلمه مؤسسو المبادرة الحيوية، لبلورة الأسس النظرية القادرة على نقل الحدوس العربية والإسلامية الحيوية، إلى مستوى العولمة الحيوية دون تصنع ودون إدعاء.

ويمكننا اليوم، بفضل المنطق الحيوي، بلورة الفقه الحيوي، العروبي، الناصري، والبعثي.. على نحو واضح.. ومع أن هذه المسألة ليست وقفاً على تلك الحركات والأحزاب التي تسمى نفسها ناصرية، أو بعثية.. إلا أنه يمكنها مباشرة هذه المهمة مما هي عليه الآن.. بحيث يمكن أن تعيد حضور الرمز الناصري واستلهامه كفقه حيوي إسلامي قادر على إنهاء التناحر الأقوامي والطائفي في ديار العرب والمسلمين وقادر على مساعدة أغلبية جماهير ديار العرب والمسلمين في التخلص من أصنام الطائفية والطقوسية والعقلية السحرية.. ألم يكن عبد الناصر واضحاً كل الوضوح في مثل هذا الحدوس؟!

قد يقول بعضهم ولماذا عبد الناصر.. دون غيره؟! لماذا لا تعود إلى الأفغاني والكواكبي، ومحمد عبده، وزكي الأرسوزي، وميشيل عفلق، وباقر الصدر..الخ. بل ولماذا لا نرى هذه الحدوس في تجربة كل القادة الذين تعاقبوا على الحكم الوطني في سوريا والعراق والجزائر واليمن..الخ. ويمكن مد ذلك إلى كل الأحزاب الوطنية.. وحتى الماركسية.. فالماركسيون على سبيل المثال.. وإن كانوا وقعوا تحت أسر إغراءات الإنجاز النظري والعملي السوفياتي، وهو أمر ليس فيه ما هو مستغرب، طالما أنه كان يهدد قوى الهيمنة العالمية، وقوى الرأسمال الاحتكاري، على نطاق عالمي.. فلماذا لا يقع المرء في إغراءات حلوله الجاهزة للتطبيق، ويدعم إعلامي سياسي عسكري مباشر؟..

نقول، حتى هذا الخطاب، يمكن إدراجه ضمن الحدوس الحيوية الموجهة للمنطق الحيوي.. وقد كان، بالتأكيد، مصدراً مهماً من مصادر الإلهام والتأثير في بلورة المنطق الحيوي، على الأقل، من حيث ضرورة التعرف على صيغة المنظومة المنطقية النافية المنتشرة، في كل مكان في العالم، لكل من حصل على البارود.. والتي لم يعد لها ما يبررها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

إذاً ومرة أخرى.. لماذا عبد الناصر دون غيره؟

السبب، أيضاً، يعود إلى أنه يشكل خلفية مشتركة لمعظم قوى التفرد الحيوي، في العالم العربي، كما أن قوى التفرد، في العالم الإسلامي، تعي بحدسها الحيوي أهميته في تجسيد الفقه الإسلامي الحيوي.

ولكن إذا كان عبد الناصر له كل هذه الأهمية، فلماذا هذه الصعوبة في العثور على من يعرفه في مصر نفسها، وبخاصة بين الأجيال الشابة.. ونسبة من تقل أعمارهم عن 16 سنة تزيد عن (60%) كما في كل الشعوب العربية والإسلامية الأخرى.

وإذا كان عبد الناصر مغيباً، إلى هذه الدرجة، وفي مصر نفسها.. فلماذا الإصرار عليه؟!


 دبكة القردا

للإجابة عن التساؤل حول اهمية عبد الناصر  نقول: إن تغييبه الإعلامي لا يعنى عدم وجوده.. وإذا كنا نبحث عن عولمة حيوية للإسلام السياسي، فإن عبد الناصر، كان وما يزال، هو الأكثر صلاحية للاستعمال الرمزي. ومدرسة دمشق للمنطق الحيوي ليست الأثر الوحيد لحيوية الرمز الناصري.. بل توجد صيغة عملية سياسية، تسترشد بهذا الفقه الحيوي الناصري، بهدوء وفاعلية.. وهو الإمام الأسد في سوريا.. إذ وعلى الرغم من أن الأسد وقع وما يزال يقع في كثير من الأخطاء، التي وقعت فيها إمامة عبد الناصر على المستوى الداخلي.. فإنه استفاد من بعض تلك الأخطاء، وحقق خطوات حيوية استثنائية على المستوى الخارجي بالنظر إلى معطيات وقدرات سوريا بالمقارنة مع مصر.

فعلى المستوى الداخلي، رغم تكراره للتجربة الناصرية في التفريخ الإيديولوجي للشخصنة الإسلامية.. ومحاباته الإعلامية للطقوسية الإسلامية.. إلا أنه استطاع أن يرى، بوضوح، الأهمية الحيوية للثورة الإسلامية في إيران للوحدة العربية.. وعرف أهمية القوى الحيوية التركية لمواجهة قياداتها الأطلسية المعادية لأية وحدة عربية.

كما أن الأسد استطاع أن يتجاوز الخطاب النظري للشخصنة في الفئويات الإسلامية وغير الإسلامية، ويركز على الجانب العملي فيه، ولذلك، فإن كل جماعة إسلامية أو مسيحية أو غير متدينة على الإطلاق، يمكن أن تجد لها دعماً من دمشق الأسد إذا سارت في طريق الصمود والمواجهة ضد قوى الهيمنة.

وبالتأكيد، فإن الإمام الأسد، بذلك، يحقق إضافة على الإمامة الناصرية وفقهها الذي لم يستطع استيعاب حركات إسلامية حيوية، تساند الفقه الناصري..

أما على المستوى الخارجي فإنه وبإمكانات سوريا الضعيفة جداً، بالمقارنة مع مصر والعراق، فإنه استطاع أن يحطم القوقعة الانفصالية التي فبركت للبنان، وأصبح لبنان، ومنذ بداية الثمانينات، واجهة حيوية جداً لمواجهة قوى الهيمنة.

وفي حين تجد في سوريا، كل الفضائيات، فإنك تجد أيضاً ثلاثة أحزاب ما زالت ترفع الرمز الناصري. وتجد أقدم الأحزاب الشيوعية، ما يزال يرفع رمز ستالين. وبدعم من حزب البعث، الذي يشركها مع غيرها في أعمال قيادة الجبهة الوطنية والوزارة!! وتجد الأبواب مفتوحة مع دول النفط، ومع الولايات المتحدة الأمريكية.

ماالذي يجري؟.. وبأية قوة يستمر.. ويصمد.. تلك قصة تحتاج إلى أكثر من سؤال وأكثر من إجابة.. سنبحثها في كتاب قادم إن شاء الله.

من المفارقات الكبيرة، في هذه المسألة أن شعار الإقليم القاعدة رُفع في مصر عبد الناصر.. وليبيا القذافي وعراق صدام حسين.. وكل منهم كان لديه إمكانات قاعدية، أكبر مما يتوفر لسوريا، من حيث الثروات النفطية أو الاجتماعية.. ولم يرفع حافظ الأسد، مرة واحدة، شعار الإقليم القاعدة، وكان يقبل الذهاب إلى كل الاجتماعات العربية والإسلامية، أينما كانت. ويفتح باب دمشق لكل الزوار.. ولم يطلب مرة واحدة، أن يصبح رئيس القمة العربية، والإسلامية. بل كان يركز – فقط – على أن تأتي القرارات حيوية.

ترى، هل يعود ذلك، إلى ثقافته العسكرية، بأن الذروة العسكرية للجبل، ليست هي أعلى نقطة في الجبل، بل هي الأكثر ارتفاعاً وحماية أيضاً؟؟ بحيث يستطيع المراقبة والسيطرة، من أعلى نقطة ممكنة ومحمية!!

ألم يكن ذلك واضحاً، في الفقه الناصري العملي، بعد هزيمة 1967 بدءاً من قبوله المشاركة والتضامن العربي.. إلى قبول مبادرة روجرز.

إن حافظ الأسد مثال ساطع على حيوية الرمز الناصري، الذي أحبه واستفاد منه.. في بناء الإقليم الحيوي بهدوء.لكن ونحن نراقب انتقال الحكم منه الى ابنه بشار  ليتجنب حربا اهليه بسبب الاحقاد والضغائن التي  طفحت بها نفوس الكثيرين ؟؟ وانتظروها؟؟ نقول وبعد الاحتلال الامريكي للعراق ؟؟وسياسة اجتثاث البعث؟؟ هل بقي الكثير مما عمره الاسد الاب؟

 

نحو الإقليم الحيوي القادر على السير نحو الوحدة..

نحو قوة المثال في الإقليم الحيوي

وهذه الحالة تنقلنا مباشرة إلى مسألة الإطار الفئوي الرسمي.. فإذا افترضنا أن مثل هذا الميثاق الحيوي قد تحقق في إطار معين.. فكيف السبيل إلى مده باتجاه الأقطار الأخرى؟ هل يتم بالحرب؟ أم بالاجتياح؟

الإجابة عن هذا السؤال، هي: النفي.. ولكننا – هنا – سنواجه اعتراضات وتحفظات لا بأس من التوقف عندها قليلاً، وخاصة، أن بعضها سيذكرنا بأننا كنا مع القول: بأن القوة هي السبيل الوحيد للخروج من القواقع الفئوية المغلقة باتجاه الأكثر شمولاً.

ونحن ما زلنا – إلى الآن – نذهب إلى أكثر من القول، بأن القوة هي سبيل الوحدة!! وأنه ما من وحدة سياسية، في العالم، مستمرة بدون وجود قوة، تقوم بحمايتها وصيانتها. وأكثر من ذلك، فإننا – أيضاً وأولاً – نؤكد أولوية الصيغة الأمنية العسكرية للقوة، ولكن ضمن إطار القوة الحيوية الاجتماعية عامة، أي ضمن المثال الحيوي، ومع أن البعد العسكري، هو أحد أبعاد هذه القوة، فهو البعد الرادع للانفصال وقواه!!

كما يجب، أن لا يغيب عن بالنا هنا – أيضاً – أن ثمة فرقاً كبيراً، بين القوة العسكرية، والضعف العسكري!! فالقوة العسكرية، ليست قدرة عامة مجردة، بل هي قوة محددة، قادرة على إنجاز هدف محدد، في زمن محدد، والانتصار على المعوقات المطلوب إزاحتها.. والممكن حشدها ضدنا، في ساحة محددة. وبهذا الصدد، فإن القوى العسكرية التي يمكن أن تحمل مسؤولية الدفاع عن الإقليم المثال الحيوي، أو أية صيغة للتضامن والوحدة الحيوية.. يجب أن تكون في وضع متفوق، بشكل حاسم على القوى المحلية والخارجية، التي يمكن أن تبادر أو تدعم، أو تحمي التجزئة والانفصال.

هنا، يجب أن نتوقف قليلاً ونتفهم الدرس جميعاً، لنلاحظ أن القوة العسكرية ضد جبهة الانفصال، يجب أن لا تكون مباشرة أو مرئية. بل موجودة كقوة ردع، لا تستعمل، إلا في حال الضرورة القصوى.. وإلا، فإنها تفرغ نفسها من قوتها!! وتصبح الوسيلة الأضعف، بين الوسائل الممكنة لتحقيق الوحدة، لسبب بسيط، هو أنها بظهورها العسكري "الحمش"!! للضرورة المهنية!! تؤذي مشاعر التمدن، وتشكك بفاعلية الأمن!! وتولد ردة فعل معاكسة، يمكن أن تغير ميزان القوى لصالح الانفصال، وقواه المدعومة من قراءتها القاصرة لمصالحها، أو التي قد تكون مدعومة ومحرضاً عليها من قوى الهيمنة!!

ولذلك، فإن القوى الحيوية، هي الأكثر فعالية، وغير القابلة للانتكاس، في سائر الميادين الاجتماعية، وضمنها العسكرية. وتأخذ قيمتها من قوة النظام الحيوي، الذي يحتويها، وقوة إمامته في الصمود، واستشراف طرق لنصرة مصالح لتوحيد الحيوي، وقدرته على الإشعاع والاستقطاب، في شتى الميادين اقتصادياً وتقنياً وثقافياً ونفسياً وسياسياً وفئوياً..الخ.

ولا بأس، أيضاً، من التذكير أن القوة العسكرية وحدها، لا يمكن أن تكون حاسمة! ليس لأن العراق فشل في ضم الكويت فقط!؟ بل لأن الاتحاد السوفيتي – نفسه – لم يستطع – قبله – الاحتفاظ بأفغانستان، واضطر إلى التخلي عن كل دول معاهدة وارسو.

ولنلاحظ: أن إيران الأكثر تفوقاً بالمقارنة مع العراق، لم تستطع الاستمرار في احتلال أراض عراقية، لأسباب كثيرة، من بينها الدعم العالمي الكثيف للعراق، وقد تم – له – استعادة الفاو!! والأمر نفسه نجده في (تشاد) التي يوجد لليبيا، فيها، نفوذ شعبي، واقتصادي، وإعلامي، وعسكري أكبر من قدرة أي قوى ذاتية انفصالية تشادية.. ومع ذلك، فإن ليبيا منيت بهزيمة منكرة.. واستطاعات جماعات أقل تدريباً أن تهجم على ليبيا، وتأخذ معها طائرات وصواريخ سليمة!! وما حدث لليبيا وتشاد لم يكن الأول في هذا السياق، فقبل ذلك – أيضاً – ما حدث على الجبهة التونسية حيث اضطرت أيضاً ليبيا للتراجع تحت ضغط فرنسي عسكري، مباشر عرف بأحداث قفصة.

وقبل ذلك، في سوريا 1970، عندما دخلت القوات السورية إلى الأردن لمساعدة الفلسطينيين.. الأمر الذي أدى إلى تدخل إسرائيل مباشرة، والى ترحيب بإسقاط الرموز الحاكمة إذ ذاك.

كما أن عجز عبد الناصر في إرسال قوات للحفاظ على الوحدة مع سوريا معروف أيضاً..

إذاً هذه القضية واضحة، ولا تحتاج إلى جدل كثير، ومن يقول انظر إلى سوريا في لبنان، فسوف نقول له: إن لبنان كان. وما زال، ضمن مخططات الهيمنة الإقليمية والعالمية.. وليس لسوريا في لبنان قدرة حاسمة، أكثر مما لغيرها!! إذا تدافعت كل القوى للصراع المباشر، والعسكري ضد سوريا، وفي هذه الحالة، لن تفتح جبهة إسرائيل فقط، بل جبهة تركيا وكل الأساطيل الأوروبية والأمريكية بالإضافة إلى جبهة القوى الانفصالية الداخلية.. ولكن، في مقابل هذه الجبهات، فإن القوى (السورية) ليست وحيدة.. فهي قادرة على التحالف مع القوى (اللبنانية) المعادية لقوى الهيمنة الدولية والصهيونية وبذلك، فإن القدرة العسكرية والسياسية السورية تستند إلى قوى محلية فاعلة، والى معطيات جغرافية مساعدة، ومع ذلك، فإن تفجير الأمور عسكرياً لن يحول دون حصول تراجعات وهزائم للقوى الأضعف على المستوى العسكري والاستراتيجي والتقني؟! ولذلك فإن الإمامة الحيوية الأسدية تحرص أشد الحرص على تجنب الهزائم المجانية، مستفيداً من خبرته في "دبكة القرداحة" خطوة للوراء وخطوة ونصف للأمام!! بحيث لا يفقد التماس مع قوة الهيمنة العالمية والإقليمية والمحلية. وهي دبكة جبلية تعتمد على النفس الطويل والمجازفة باستحسان الجمهور المشاهد!! ولكنها تتقدم نحو الإمامة الحيوية باستمرار!؟

ولنلاحظ، حرصه في المرونة الكبيرة، التي يتعامل معها للحفاظ، على التنوع اللبناني ضمن خط المواجهة مع القوى الصهيونية، وهو نموذج، وإن كان يعتمد على شوكة عسكرية، فإنه استطاع أن يجد لها الغطاء الإقليمي والعالمي.. ببراعة لم يحسنها غيره.

وهذا يؤصل لفقه المصالح الحيوية التوحيدية السلمية!! حيث أن تحطيم القواقع الانفصالية، يمكن أن يكون عن طريق غير القوة العسكرية، بل ويجعلها مجيدة، إلى مدى بعيد، فيما عدا ضرورة الدفاع المشروع عن الذات، القابلة لاستقطاب تعاطف ودعم عربي وعالمي.

ومن هنا، نركز على قوة الإقليم الحيوي المثال، الإقليم الأقدر على تطبيق المثال الحيوي، فينا، ومن ثم بناء المجتمع بناءاً وحيوياً، قادراً على امتلاك مستلزمات العصر ولغته، ومنطقه الحيوي، على كل المستويات بشكل ملموس في حياتنا اليومية، وعلى المستوى الفردي والعام.

ولهذا السبب، فإن الآمال التي تولدت بعد اجتياح العراق للكويت.. والتي شعرت أن ثمة قوة إقليمية عربية أصبحت قادرة عسكرياً، وأصبحت جاهزة لتحطيم الحدود.. وللأسف، فإن تلك الآمال – نفسها – تلاشت بسرعة مخلفة المرارة وخيبة الأمل.

وبعدما حدث من تحطيم كلي للقدرات العراقية، بكل أبعادها، أخذ اليأس يشل الملايين، من الذين حلموا بقرب عصر الوحدة بالقوة، وبعصر قوة الوحدة.. ولكن مراجعة نقدية، لهذه الهزيمة الفادحة، يمكن أن تحول آلامنا من الهزيمة، إلى آمال حقيقية تتخلى عن الأوهام، والطرق الخاطئة لتحقيق أهدافنا الحيوية المشروعة، وبذلك، توفر الكثير من الجهود الضائعة والدماء.. أليس، في ذلك، انتصاراً على جهلنا وجاهليتنا، عن المنطق الحيوي، منطق العصر.

أما قوى المعارضة السورية، التي اشتراها صدام، ومول قادتها، فإنها خذلته خذلاناً كلياً، ولم تقدم له شيئاً ذي بال.. وأن الأمر اللافت للنظر، حقاً، هو أن نلاحظ ما جرى على الساحة السورية، فهنا كانت نتائج السياسات العراقية، أكثر تعبيراً عن المأساة، والعقم لهذه العقلية المنغلقة، على مصالح أحادية في غاية الضيق، وقصر النظر! إذ إن (صدام) دعم منذ منتصف السبعينات معارضة طائفية، أدت أولاً إلى سحق أوساط هذه المعارضة التي استسهلت واستمرأت صيغ المعارضة الطائفية المدعومة عراقياً.. ولذلك، أختفت صيغ المعارضة الحيوية، تحت طائلة الاتهام المشروع بالعمالة للعراق!!

وبفعل حصار الاستقطاب الطائفي المكهرب، والمشحون ببذور الحرب الأهلية، ولذلك، كانت الجبهة السورية الشعبية الصامتة، في أثناء أزمة الخليج هي الضربة القاضية لسياسات (صدام حسين) لأنه، هو – نفسه – الذي ساهم في شلل هذه الساحة وعقمها.. وشل إمكانات التعاون مع قيادتها، وهو أمر، لو تم، لتغيرت مجريات التاريخ العربي الحديث، ولكن؟ لماذا التحسر؟! أليس هذا منطق معطياتنا الجوهرية المغلقة سياسياً وفئوياً؟

ولذلك، فإن التقدم على جبهة الوحدة، لن يتم بأمر إداري، ولن يحدث بمغامرة عسكرية. بل يحتاج إلى قدرات سياسية لإمامة حيوية مبدعة، ولن يكون دون نكسات، ولن يتم دون آلام وتضحيات وتعرجات واستثناءات، وأمامنا المثل الألماني واضحاً، فألمانيا الغربية التي نهضت بعد الدمار والهزيمة الشاملة.. تخلت بشكل عام عن المنطق العنصري، في نظامها السياسي الداخلي والأوروبي. واتجهت نحو بناء قدراتها بشكل حيوي، واستطاعت أن تنطلق من الصفر لتنتصر، حتى، على الدول التي انتصرت عليها.. في ميادين عدة وأكبر مثال على ذلك: الجبهة الاقتصادية، التي لا يعتمد فيها الألمان على التغطية الذهبية!! بل على القدرة الإنتاجية فقط. ومن أجل كسر جدار برلين، وإزالة الاحتلال الشرقي والغربي، فإنها وصلت إلى أكثر من منتصف الطريق، باتجاه الدول المنتصرة عليها سابقاً، وبخاصة الاتحاد السوفيتي، الذي اضطر – هو الآخر – إلى السير نحو منتصف الطريق، بالتخلي عن نظام منطق الجوهر الديالكتيكي، تحت طائلة التخلف الكبير، الذي صار فيه، بالمقارنة مع ألمانيا – نفسها – على المستوى التقني والاقتصادي.. ومثل هذه الخطوات قطعتها فرنسا وبريطانيا وأمريكا، فبدأ انهيار منطق الجوهر العنصري الديالكتيكي السوفيتي، وفي ألمانيا الشرقية بدأت الهجرة الكثيفة إلى ألمانيا الغربية، ومن ثم سقط جدار برلين، وتوحدت ألمانيا.. دون حرب!!؟ دون حرب دموية على الأقل.

ترى أليس بمقدور ألمانيا إنتاج أسلحة نووية سراً؟! الإجابة – التقنية – إيجابية!! ولكن الإجابة – السياسية – سلبية.. لأن ضعف ألمانيا، على المستوى العسكري، هو عامل قوة أكبر في تحقيق أهدافها واستعادة وحدتها.. ولإيجاد دور حيوي يتناسب وإمكاناتها في العالم.. فكيف، إذاً، نريد – نحن – تحقيق الوحدة بالاجتياح؟! وسلاحنا ليس من صنعنا!! وجنودنا محروسة بكل قوى الإمبريالية، ومدعومة بكل الفئويات العنصرية الموروثة، من الانحطاط.

ولذلك، فإن إشكالية الوحدة السياسية للدولة الحيوية العربية الإسلامية ترقى إلى مستويات تلزمنا أن نتجه لإعطاء السيادة الحيوية، لكل منا، أولاً: في حدوده السياسية الموجودة.. لتصبح، فيما بعد، منطلقاً حيوياً فاعلاً لا باتجاه العرب والمسلمين فقط، بل باتجاه العالم – كله – بآن واحد.. وذلك، لأن استدارة الأرض أصبحت حقيقة سياسية، تعبر عن تحويات المنطق الحيوي الملزم بالذهاب بالشوط حتى آخر مداه، حيث نقطة البداية تكون هي النهاية.
 

قاعده اسامة بن لادن: جهل فوق جهل الجاهلينا     

قبل ان تصبح كلمة القاعدة عالميه وتلفظ باصلها العربي  للدلاله على الارهاب الدولى ؟؟

 والدلاله على اسامه بن لادن؟؟ بوصفه المسؤول الاول عن القاعدة في افغانستان والمسؤول  عن  احداث تدمير برجي نيويورك في 11 من ايلول 2001

نقول : قبل ذلك  بعشرات السنين فان تعبير القاعده كان اثيرا عند العرب الباحثين عن دوله تصح ان تكون منطلقا لنشاطهم   التثويري ؟؟ ومع ان  حركات  اسلاميه عنصريه  استطاعت  ان ترث عن الامريكان  جزءا كبيرا من دولة افغانستان بعد ان تحالفوا مع الامريكان  لطرد السوفيت منها ؟؟ ومع ان اسامه -المليونيير السعودي- استطاع  بالتعاون مع حركة طالبان ان يعيد انتاج  دولة القاعده بالمفهوم الذي اراده كل من عبد الناصر وحافظ الاسد وصدام حسين والقذافي والهواري بومدين و علي ناصر محمد حسن الترابي ؟؟ نقول على الرغم من ان اسامة بن لادن استطاع ان ينشأ "دولة قاعدة" في افغانستان   ؟؟ الا انه وبسبب عدم منعة افغانستان كدوله سرعان ما انهارت  دولة طالبان  الاضعف في العالم  امام  الهجوم الامريكي- الاقوى عالميا؟؟ ولكن هل انهارت قاعدته؟؟

الايجابه هي النفي 

ولامفاجأة في ذلك؟؟ فدولة افغانستان ليس منيعه امام السقوط ولكن جبالها الممتده الى الدول المجاورة يجعلها مخبأ سهلا - لم يتوفر لصدام مثله في العراق؟؟--ولذلك  وبسبب من عدم العثور على  بن لادن حتى الان ؟؟ فان  القاعده بقيت رمزيا من خلال انصار حركات المشردين  والمهججين  في كل اصقاع العالم

 ومع ان قوى الشخصنه الاسلاميه ليست وحيده في تفضيلها نحر رموز الهيمنه الغربيه ولو كان عن طريق الانتحار؟؟  حيث تمثل سناء المحيدلي  1984المسيحييه والسوريه قوميا وايديولوجيا؟؟  دلالة مبكرة على هذا الاتجاه ؟؟ الذي يرى  الانتحار اسهل من عيش ذل الاحتلال الاسرائيلي ؟؟ فان قيادات وشباب حركات الشخصنه الاسلاميه - وبخاصة الشرائح العربيه منها--التي تحالفت مع الولايات المتحده في تحرير افغانستان وبتشجيع من الانظمه السعوديه والخليجيه والمصريه والجزائريه؟؟  نقول  حركات الشخصنه الاسلاميه ..وبخاصة تلك -ذات المنشأ العربي- التي منعت من العودة الى بلادها ؟؟كانت الوقود السهل لقاعد ه سياسيه جديده؟؟ واخذت بعدا دوليا ضخمته وسائل الاعلام الغربيه-الامريكييه  لاستعماله مبررا لحروب بدأت في الحمله على افغانستان مرورا بالعراق ؟؟ومازال العالم كله ينتظر المزيد؟؟ الى درجة برزت شائعات  وتساؤلات عن  صحة وجود علم ورغبه امريكييه مسبقه  في حدوث عمليات ارهابيه كالتي حدثت في نيويورك؟؟ لتبرر سياسات اعادة الاستعمار واعادة تشكيل الساحه الدوليه

 وهانحن وبعد عامين من سقوط الدوله الطالبانيه ؟؟فانه مايزال لاسامه بن لادن بعد سنتين من انتهاء الحرب  حضور رمزي كبير وهو وجود  مستتر ولكنه  يتمتع بشعبيه  ربما هي  الاكبر بالمقارنه مع  اي من شعبية  حكام العالم العربي والاسلامي لما يرى اغلب الناس  من صفات نادرة التجمع في شخصيه واحدة

يدعو الى التوكل الغيبي ولكنه مخطط بارع ؟؟ مليونيير ولكنه متدين زاهد ..؟؟ وسيم الوجه نحيل القوام ولكنه  ذو قوة عزم  كبيرة ؟؟ وعيش بين الصخور؟؟   ضعف في العدد والعدة وتاثير عالمي ؟؟

هل لقاعدة ابن لادن مستقبل حيوي؟؟ من المؤكد ان منطقه النظري الطائفي العنصري يخلو من اية حيويه ولكن هناك ثمة مجال لحيويه عمليه  تتيحها له امكانات العصر ؟؟حيث يمكن لاضعف  الافراد ان يثبت موجوديه وخطورة  ذات تاثير عالمي؟؟  ومع ان خطوة هذا النموذج على العالم العربي والاسلامي واضحة للعيان وتؤدي الى اعادة العالم العربي والاسلامي الى الاحتلال؟؟فان له خطورة اخرى - غير مقصودة - يمكن ان يشكلها هذا النموذج الانتحاري   بحيث  يمكن ان تقنع  الغرب على  تغيير سياسات ازدواجية المعايير  الحاليه التي  تدعم الانظمه الدكتاتوريه وترسيخ التجزأة ونهب الثروات

..ومرة اخرى مع اننا لانرى في تحويات بن لادن النظريه اكثر من تحويات طائفيه  عنصريه متخلفة عن فهم مستلزمات العصر  فاننا نلاحظ  ان تحوياته العمليه لاتصلح ان تكون اكثر من عبرة لمن يريد ان يعتبر؟؟ باننا في عصر يستطيع اضعف الناس احداث اذى كبير؟؟ اذا استطاع استعمال تقنيات  تتناسب مع امكانات العصر ومخاطره

ومرة اخرى ..اذا كان لذلك اي تاثير ايجابي فلن يتعدى التاثير الرمزي الذي يجعل قوى الهيمنه الغربيه التي لعبت لعبة رعاية وتشجيع الفكر الاسلامي العنصري في معاركها مع الماركسييه والناصريه  تكتشف انه ارتد عليها كما ارتد صدام من قبل وان تفهم هذه اللعبة تصيب  فاعلها وراعيها والساكت عنها في آن معا؟؟ انه تعبير ظلامي  جاهل يتجاهل  عصر النور؟؟

 ويتوهم ان التجهيل  والجاهلية اللاعبه بازدواجية المعايير والعنصريه  يمكن ان تستثني   اللاعبين بها ومشجعيها؟؟ فلسان حال ابن لادن وامثاله لخصه العرب بشعرهم

الا لايجهلن علينا احد ؟؟....  ؟؟    فنجهل فوق جهل الجاهلينا :


[1] تجديد ذكرى أبي العلاء، طه حسين، صدر عن دار المعارف، القاهرة، ص23.

[2] المرجع السابق، ص41.

([3]) راجع، وثائق ثورة يوليو، الجزء الخامس عن "التقرير" ص203-212، صادر عن اللجنة العربية لتخليد القائد جمال عبد الناصر.

الميثاق الحيوي للاسلام السياسي  

http://www.damascusschool.com/page/4.htm

حيوية الذات والاخر

http://www.damascusschool.com/page/4_1.htm

 

 المبادرة الحيويه داخليا

http://www.damascusschool.com/page/4_2.htm

المبادرة الحيويه خارجيا 

http://www.damascusschool.com/page/4_3.htm

نحو المستقبل الحيوي

http://www.damascusschool.com/page/4_4.htm

 

حافظ الجمالي محمود استانبولي محمد الراشد جلال فاروق الشريف جودت سعيد روجيه غارودي
بيير تييه رنيه شيرر اوليفييه كاريه مفيد ابو مراد عادل العوا وهيب الغانم
اتصل بنا من نحن جميع الحقوق محفوظة لمدرسة دمشق المنطق الحيوي 1967 - 2004