مجلة المستقبل السنه الثانيه عشره-العدد:582-
23 نيسان-1988-باريس
رائق النقري يبشر بالمنطق الحيوي
= = = = = = = = = = = = = = =
صدر مؤخراً عن " مدرسة دمشق للفكر النقدي والمنهجي الحيوي" كتاب " المنطق الحيوي، عقل العقل " في أربعة أجزاء، لمؤلفه الدكتور رائق النقري ، الأستاذ المحاضر في جامعة باريس .
ويقدم للكتاب مجموعة من الباحثين الغربيين ، مثل روجيه غارودي وبار تييه وشيرر وأوليفييه كاريه .
" المستقبل " التقت المؤلف الدكتور النقري وحادثته حول كتابه :
" المستقبل" : ماذا تقصدون بالمنطق الحيوي ؟
رائق النقري : المنطق الحيوي هو منطق الحياة بجميع أشكال تكونها . والبحث في المنطق الحيوي هو بحث في قانون الكون ، ولكن بما أن معرفتنا وبحثنا عن هذا القانون خاضعة له فإننا لا نعرف منطق الحياة ، إلا بمقدار ما يسمح لنا هذا المنطق به . ولذلك ليس ثمة تعبير واحد ونهائي لمنطق الحياة . والمنطق الحيوي هو إذا ً بحث في صنع التعبير النظري والسياسي عن قانون الحياة ووعي هذا القانون وتطبيقه في أنفسنا وفي محيطنا ، بنا ومن خلالنا .
والمنطق الحيوي الذي أقدمه هو قراءة خاضعة لسمات المرحلة الاجتماعية الراهنة بما تتضمنه من توازنات وصراعات محلية وعالمية . ومن مصالح ومفاهيم ولغات سائدة ومن قدرات تقنية وسياسية تجعل هذه القراءة ممكنة بهذه الدرجة أو تلك من الوضوح والانتشار .
" المستقبل": بماذا يختلف المنطق الحيوي عن المنطق الأرسطي أو الهيغلي .؟
رائق النقري : الاختلاف الأساسي على المستوى النظري الذي يقوم على دحض مفهوم الجوهر الذي بلوره ورسخه أرسطو ونقله هيغل من مستوى الصورة إلى مستوى المحتوى " الهيولى ".
فالمنطق الحيوي يقوم على المبدأ والشكل ، والشكل لا يعني الصورة أو القشرة الخارجية بل يعني عملية التشكل نفسها . ودحض فكرة الجوهر تعني ضمناً دحضاً لإمكانات الاستعلاء والاستبداد والاستعباد للآخرين باعتبار أنهم أعراض زائلة . وبالتالي فإن الاختلاف بين المنطق الحيوي والمنطق الجوهري الأرسطي والهيغلي يكمن أيضاً في اختلاف دور كل منها ، فالمنطق الأرسطي وضع نفسه معياراً لصحة النتائج المستمدة من المقدمات أما المقدمات نفسها فلم يضعها موضع التساؤل بوصفها ماهيات كلية جوهرية ثابتة , ولذلك فإن المنطق الأرسطي كان السيف الذي يبتر التساؤل حول مشروعية الماهية الجوهرية . أما المنطق الحيوي فإنه يحطم وتشكل نهائي المشروعية النظرية والسياسية لكل ماهية جوهرية ثابتة مفارقة .. ويختلف المنطق الحيوي عن المنطق الهيغلي أيضاً حول النقطة نفسهاً بالرغم من إقرار فكرة التغيير الديالكتيكي للتحول في الماهية .
إن المنطق الحيوي يعود إلى الخلفيات الاجتماعية والسياسية والقدرات العلمية والتقنية . فالمنطق الأرسطي كان يعبر عن مرحلة اجتماعية وسياسية عبر عنها الاسكندر المقدوني بتجاوزه للسفسطات السياسية التي كانت تمنع الشعوب المتنوعة في ثقافتها وأديانها من التلاقي والحوار ولذلك فإن المنطق الجوهري الصوري كان تعبيراً عن إمكانيات تحقيق الكلية الاجتماعية الهيلينية .. وكل الكليات المماثلة بعدها .. التي تقوم على بقاء المحتوى الاجتماعي " الهيولى" مقفلاً مع انفتاح الصورة لأي فاتح اسكندراني والمرحلة المسيحية والإسلامية لم تكن خروجاً عن هذا المنطق . ولذلك فإن المنطق الأرسطي بقي صالحاً لتجاوز كل سفسطة نظرية قد تؤدي إلى سفسطة سياسية وفي الكتاب شرح مفصل عن صيغ التعبير عن المنطق الحيوي في المرحلة اليونانية والإسلامية تعيد النظر بكل صيغ القراءة والتفسير السائدة وتقلب الطاولة فوق جواهرها اللامعة !! التي أطلقها المنطق الهيغلي مع الروح الأوروبية الاستعمارية والمزودة بالثورة الصناعية وبالرصاص الذي حول المعادلات الاجتماعية والسياسية والأوروبية والعلمية .
" المستقبل": هل يستوي في ذلك الديالكتيك بصيغته الماركسية ؟
رائق النقري: بكل تأكيد فماركس وانغلز وروزا لوكسمبورغ أيدوا الاستعمار الاسباني والفرنسي للمغرب والجزائر والهند لأنها ستسمح ، بحسب تعبير انغلز ، برفع المغاربة إلى مستوى الحضارة .
ومثل هذا التوجه الإمبريالي هو الذي يعبر عنه المنطق الديالكتيكي . لقد رأي هيغل أن ألماني هي خير معبر عنه ووضعه هتلر بالفعل موضع التطبيق .. ولكن هل غابت الممارسة الهتلرية عن التنظيرات والممارسات الاستعمارية الأوروبية ؟ ألا يدفع العالم الثالث ثمن سلام ورخاء الغرب بقطبيه الرأسمالي والاشتراكي على السواء . ألا يقول غورباتشوف في كتابه الأخير :
" إن للغرب مصالحه المشروعة في العالم الثالث بسبب أهمية الموارد الأولية ؟"
أليس هذا اعترافاً بشرعية الإمبريالية
" المستقبل": ما هي المنطلقات الاجتماعية والسياسية للمنطق الحيوي وما هي مبررات وجوده .؟
رائق النقري : المبررات هي وصول العالم إلىمرحلة جديدة كلياً من التوازنات المحلية والعالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حيث ولد العالم الثالث وبدأ الاستعمار يعاني من صعوبة في السيطرة على مواقعه . وبولادة معطيات علمية وتقنية وسياسية تسمح بآن معاً أما تدمير العالم أو التعايش المشترك ضمن إطار " قرية عالمية " حدودها تشمل الكرة الأرضية بمجمل شعوبها وثقافتها ..
ولذلك فإن مدرسة دمشق تضم باحثين من جيل ما بعد الاستقلال .. ولم يكن ظهور المنطق الحيوي صدفة في هذه الأوساط لأن دمشق تمثل القلب الثقافي والسياسي للعالم العربي ، والعالم العربي يمثل القلب السياسي والاستراتيجي للعالم الثالث في مواجهة الغرب . ففي دمشق 1946 والقاهرة 1956 وبغداد 1958 والجزائر1961 رسمت معالم عالم جديد في مواجهة الاستعمار تمتد من أقصى الأرض في كوبا إلى أندونيسيا سوكارنو مروراً بأفريقيا والهند والصين .. عندئذ بدأ احتكار العلم ينكسر على المستوى النظري على الأقل .. وبدأت قوى التفرد بالانتصار . وبالطبع فإن هذه الانتصارات والتغييرات على المستوى الداخلي ليست مستقلة عما تم في العالم الغربي وفي تناقضاته الداخلية التي يمكن الاستنفاع بها . بل ومن التحركات الثورية الغربية المعادية للاستعمار الغربي نفسه.. والمرتبط بتحول ميزان القوى الغربي على المستوى الشعبي والرسمي لصالح القوى الرأسمالية .. ولم يكن غريباً حدوث الانفصال .. ولم يكن غريباً حدوث هزيمة 1967 إلا أن حالة الصراع العربي ـ العربي دخلت في مرحلة توازن شامل وذلك بدءاً من حرب 1973 ومروراً بإسقاط اتفاق 17أيار ( مايو ) 1982 في لبنان وهزيمة الأسطول المتعدد الجنسيات .
وحالة التوازن هذه توضح نفسها على المستوى العالمي والعربي حيث الجميع يبحث عن مخرج مهادن محاور متصالح . وحالة التوازن هذه لا بد أن ترفع الجميع للبحث عن لغة مشتركة ترقى إلى مستوى القانون المشترك يمكنها من الحوار. والمنطق الحيوي بلغته الأقرب إلى لغة الرياضيات والمستند إلى المعطيات العلمية والتقنية والسياسية المتاحة في هذا العصر يعبر عن هذه الحالة من خلال مقولة " الشكل الحيوي " الذي يمكن بموجبه لأية فئة مهما صغر حجمها أن تدافع عن وجودها وتؤكد حقها في الحياة ، ويتجاوز التصنيف الجوهري العنصري الذي يصنف الناس بحسب لونهم أو دينهم أو وضعهم ، إلى أنجاس وكفرة ومتوحشين يستحقون القتل والإبادة .
ولذلك فإن المنطق الحيوي هو تعبير عن المرحلة التي تتسم بالتوازنات ويأخذ فيها أضعف الناس قدرة على إثبات وجوده ... وأكبر برهان على امكانات المنطق الحيوي ومنطلقاته وآفاقه تتجلى في عجز الآلة الصهيونية المجسدة للهيمنة الإمبريالية بقطبيها عن مواجهة حجارة أطفال الأرض المحتلة . وبعد أن ظهر السلاح الصهيوني قادراً على ضرب المشرق والمغرب العربي بآن واحد ... فإنه يبدو عاجزاً عن مواجهة طفل يعيش في عصر الإعلام الذي يجعل العالم كله ضمن جهاز تلفزيون...
| الصفحة الاولى | معجزة ام بداهة | هندسة وإدارة المعرفه | منظومات منطقية وفئوية | الذات والآخر | مواجهة الهيمنة | نحو المستقبل | أعمال آكاديمية | انتقادات ووثائق | من نحن | اتصل بنا |
| | روجيه غارودي | | اوليفييه كاريه | | بييرتييه | | رنيه شيرر| | وهيب الغانم | |حودت سعيد
| |حودت سعيد | | محمود استانبولي | | مفيد أبو مراد | | جلال فاروق الشريف| | حافظ الحمالي | | محمد الراشد| |