مدرسة دمشق للمنطق الحيوي 3/3
فائز البرازي : ( كلنا شركاء) 17/6/2005
الجوهر والشكل :
لتكون البداية صحيحة ، وحتى لايظهر أن كلآ منا يطرح الكلمة لتعطي مداليل ومعاني مختلفة عن ذات الكلمة المطروحة من الآخر بمداليل ومعاني مختلفة ، فلا بد من تحديد المعنى والمضمون لكلمة
 

( الجوهر ) وكلمة ( الشكل ) .
الشكل : - وهو غضافة لمعنى " الشكل الخارجي " الصورة ، تعني طبيعة " التشكل " لهذا الشيئ أو ذاك . ولا تعني على الإطلاق " مضمون " هذا الشكل وإن كانت تعني أسلوب وظروف تشكله متضمنة المعنى المراد " للشكل " .
الجوهر : - وهو ذو معنى واحد لجميع الكائنات والأشياء . يعنى بكينونة هذا الكائن من حيث "مضمون " عام خاص به يتشابه به في الكل والوحدة ، و " مضمون خاص يتشابه به كل " تصنيف " لكائن ما ، أو لشيئ ما . ولا يعني فقط مكوناته الأساسية والتي تعتبر شيئآ هامآ " للتصنيف " ، بل تعني أيضآ وبشكل أساسي ( إنعكاس ) هذه المكونات " الجوهر " على كل صنف من الأصناف في الوجود ، وبالتالي طبيعة الأفعال التي تصدر عن كل صنف . بالوعي والذاكرة والتكوين العقلي ، أو باللاوعي والتفاعلات الفيزيائية والكيميائية والوظيفية وميكانيكية الكم والمؤثرات الداخلية والخارجية الآلية .
فإذا إتفقنا على هذه المعاني .. وهو أمر أساسي في إستمرار حوار واع بمحددات موضوع الحوار ، يمكن أن نستمر . وسأفترض أننا متفقين على هذه المعاني ، حتى تعترض .
أقول : لا للإلغاء ، ولا للنفي . ففي تأسيسك لمدرسة المنطق الحيوي ، إعتمدت أساسآ على " رفض مبدأ " النفي " . وبالتالي وفي أقل البدهيات أن لا تنفي " الجوهر " ولا ننفي " الشكل " ، لأننا جميعآ وبكل بساطة ، لا نستطيع نفي موجودات أساسية ليس بيدينا أن نلغيها شئنا أم أبينا .
فمثلآ لا نستطيع أن ننفي " ضوء النهار " لمجرد توصيفه كإنعكاس لأشعة الشمس المتفاعلة مع الغلاف الجوي ، وموقعها ووضع الكرة الأرضية من الشمس .. فالحقيقة مهما بررناها وفلسفناها هي حقيقة بسيطة للغاية تقول : " هناك ضوء النهار " .
ما أريد أن أقوله : أن " للجوهر " طبيعة ووظيفة ، وأن " للشكل " طبيعة ووظيفة . فالشكل بدون الجوهر قد ( ينفي ) التناقض وينفي الصراع وينفي الإختلاف ، لكنه لا ينفي " الوظيفة "

 . وهذا
[ ما يسرك .. وما تريد الوصول إليه
] .
لكن ... وأنا أعرف بأنك لا تطيق كلمة .. " لكن " . فعذرآ .. لكن بإنتفاء التناقض وإنتفاء الصراع وإنتفاء الإختلاف ، نصل إلى حالة " النيرفانا " !!! . أي ليس هناك أفعال وردود أفعال ، هناك مسير في المكان دون التحرك للأمام ، هناك إستقرار موتى لا يعانوا من إنزعاج ، هناك مجتمع " ملائكي " أو " مثالي كلي " . وأنت تعرف أن " النسبية " – حتى الآن – لا يمكن أن توفر هكذا كون أو هكذا عالم .
وأعود لأقول : أن الأسباب الميكانيكية والظرفية هي التي تؤدي عند توفرها ، بالتأثير في مكونات " جواهر " الجبال والأرض فيظهر " شكلآ " ناجم عن التأثير في الجوهر ، شكلآ جديدآ ليس له علاقة بالشكل السابق أثناء الكمون والإستقرار . وإن مناقشة أي أمر ، يكون بربط جزئياته بكلياته ، ويمكن تحليل ما نراه في الجزئيات ضمن التكامل ، كما أن التحول فعل أساس في الكون . بتغيرات جزئياته إلى " جوهر " آخر ، وبتغيرات جوهره ووظائفه إلى " شكل " آخر . فالجوهر والشكل هما توصيفنا لرؤية الأشياء وضمن إتفاقنا على المعاني . وهنا دكتور : أنت محق في عدم الثبات ، عدم الثبات في الجوهر والشكل ، ومع كل التغيرات في كل منهما . ولكن .. فإنني لا زلت معتقدآ أن
" الجوهر " أنسب في مناقشة ومعرفة الكون والإنسان والعلاقات الإجتماعية والسياسية ، والتصرفات والدوافع . وإعذرني لطرحي الأمثال . فهي ليست فكر مجرد ، إنها تصور توضيحي مبدئي للفكرة
. فمثلآ : نسمس هذا " الشكل " ماءآ .. الماء شكل متغير ذو صفات عديدة : ماء عكر ، ماء صافي ، ماء آسن ، كل الماء متغير بتغير الظروف ، بتغير المكان والزمان والمصدر والعوامل المحيطة . ولكن .. يبقى من حيث " الجوهر " ماءآ جوهرآ " يتشكل " من جواهر أخرى .. الأوكسجين والهدروجين بنسب ثابته . أما من حيث " النسبية " : فلا بد من مسبب في الجوهر النسبي ليعطيه شكلآ محددآ نسبيآ . ثم .. هو بحاجة إلى " مسبب " ليتحول ، ويعود غلى جوهره .
( بالفصل ، بالتبخر ، بالكهرباء .. الخ ) .
وجوهر الإنسان وفطرته ، ليس شكلآ مشابه لجبل أو لبحر أو لصخر . فالجوهر هو الذي يؤثر في الشكل ليفرز فعلآ ما ، مهما كان توصيفه .. واعي أم غير واعي ، فطري أم إرادي .. الخ .
ومن هنا .. فإنني لا أزال مقتنع بأن ( نفيك ) للجوهر في غير محله ، وسأبقى على هذه القناعة حتى يستجد شيئآ " مقنعآ " بغير ذلك . لا من ( منطق المصالح ) ووحدتها وتناقضاتها وما تفرضه علي وعلى غيري ، بل من ( المنطق الحيوي الفكري ) بحد ذاته . وإنني أعتبر أن الرجوع عن الخطأ أو القناعة أو التصور ، ليس مذمومآ ، بل هو الحق والفضيلة . وبالتالي فعندما أكتشف أو أقتنع بخطأ قناعاتي ، فسأعترف ، وأغيرها للأصلح والأصح . إن التحجر لمجرد التحجر والمناكفة والإنغلاق والذاتية ، هو أحد أمراض مجتمعنا .
لكن .. لنخرج ونقدم ما يقنع الآخر ، والآخر البسيط المواطن بغير قناعاته ، في حال كان على إستعداد لتغييرها .
رؤيتي : - للغة الكونية المشتركة :
---------------------------------- وأيضآ لنوضح ماذا نعني بهذا التساؤل ..
اللغة .. هي ( وسيلة تعبير ) عما يريد كل صنف من الأصناف في الكون ، التعبير عنه . أي أن " أشكال " التعبير مختلفة . بينما (الجوهر) واحد .. هو التعبير . فالإنسان يعبر بلغة الكلام والإبتسامة والعبوس والإشارة .. الخ . والحيوان يعبر بلغة التصرف والهرهرة والإنبطاح واللحس والصوت المختلف لكل أمر والغير مفهوم لنا . الأرض .. الجبال تعبر بالبراكين والزلازل . البحار .ز تعبر بالفيضان أو الإنهدام والدفع والتقلصات . الكواكب .. بالتفاعلات الذاتية والإشعاع والكمود والتفتت والإنفجار . الإنفجارات الكونية هي تعبير عن أمر ما . أشكال كثيرة للتعبير ، فلا بد من أن يكون هناك جامع لكل هذه الأشكال من التعبير . وأكاد أعتقد بأنه ( جوهر التعبير ) .
إن هناك " فهم " و " عدم فهم " لما يراد أن يقال . إن التعبير هو وسيلة للتفاهم ، للحوار ، للتقارب أو التباعد . فإذا لم " أفهم " لا أستطيع أن أحاور . كيف سأحاور الأرض لتؤجل أو تلغي زلزالها .. أو أقنع الأسد الجائع الموضح في زئير عدواني ، أن لا يفترسني ويبقى جائعآ . أكاد أعتقد أن هذا محال .
وعلى المستوى الإنساني .. والسياسي .. كيف سأقنع عدوي مع فهمي لجميع وسائل تعبيره والرسائل التي يرسلها لي ، بأنني غير عدواني ، وأنني أحبه !!! وأنه يمكن التعايش مع بعضنا البعض ؟ .
إذا كنت المعتدي .. فلن يسكت حتى " إنسانيآ " عن حقوقه .
وإذا كنت المعتدى عليه .. فإن الأخلاق والوئام والسلام ، ليست أقوى من الحق ومن الوجود
.
هل يمكن أن تشرح لي .. كيف يمكن أن أقنع إسرائيل والصهاينة بالتنازل عن مخططاتهم الإستيلائية ، وكيف أقنعهم بإعادة حقوقنا في الأرض وفي الحياة وفي الوجود ؟ وكيف سيقتنع العربي والفلسطيني بأن هناك ( وحدة مصالح ) و ( لغة كونية مشتركة ) تستدعي تفهم الصهيونية في إحتلال أرضه وإلغائه من الوجود ؟ كيف ستقنع الطرفان أن ذلك يحل بواسطة ( وحدة المصالح ) وتفسر إمكانية حل ذلك . . بالمنطق الموحد " الملزم " .. ملزم كيف ؟ وبماذا يفرض " إلزامه " على الجميع ؟ بالأخلاق ، بالمودة ، بالعقل ، أم بماذا سيفرض نفسه منطقآ موحدآ ( ملزمآ للجميع )؟.
إن ( الصراع ) هو " شكل " أساسي من المضمون " الجوهر " . فهل يمكن أن نلغي الصراع الذي أكاد أعتقد أنه أساسي في إستمرار الكون ، مهما كان شكل وطبيعة وشدة أو ضعف هذا الصراع .
أن أقول .. ( من صفعك على خدك الأيمن ، فأدر له الأيسر ) . يقابله : ( أنا سيف منزل من السماء ).
كما قول : ( وقاتلوا الذين يقاتلونكم ) ويقابله قول : ( ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) .
أيمكن أن نقول : أن هناك أخوة وإنسانية ووئام ، لمجرد أننا نريد ( مثالية ) الكون . أيمكن أن تقول أن الذئب حارس الغنم وصائنها ؟ ,ان عدوي يمكن أن يعيد لي ماسلبني إياه ، بقناعة أخلاقية ونتيجة حب إنساني ؟ .
صديقي العزيز .. الصراع شكل لجوهر إنساني كوني . هل يمكن أن تتذكر وتعترف بصراع بين الأخوة ، بين أب وإبنه ، بين أم وكنة " سلبتها " إبنها ؟ ..
إذا كان ذلك شكل من أشكال الحياة ، فيجب أن نبحث في جوهر الإمر المؤدي لذلك . وهذا موضوع آخر .
الذاكرة .. والتفكير :
-------------------- يمكن أن تستوعب ( الآلة ) ذاكرة تبدأ من جميع المعلومات والتجارب والعلوم و .. الخ منذ بدء الخليقة حتى الآن .. والآن هي : كل برهة زمنية يتم بها( تغذية ) هذه الآلة بمعلومات جديدة . هذه الآلة أتركها في المختبر ، أو حتى قودها معك أينما ذهبت ، ( بدون تفاعل ) بينك وبينها ، أي بدون تغذيتها ، فإنها بعد مدة ستصبح متخلفة لا تملك ذكريات ولا تجارب حديثة مستمرة .
لا شك أن الذكاء الصناعي ، بمعنى ( الذاكرة الصناعية ) لا أكثر ، ستكون مساهمة جدآ في التطور الإنساني ، وتسهيل مهام الإنسانية . لكنها ليست ( أداة تفكير ) ، وليست ( أداة إتخاذ قرارات ) . إنها تقدم في أحسن إبداعاتها ، تصورات متعددة الإحتمالات ، وعلى ( الإنسان ) أن " يفكر " بالأنسب ، أن يفكر " بأنسب القرارات " التي سيتخذها . إن القرارات ليست مجردة عن نتاج الفكر والحس والشعور والقيم الإنسانية المتفاعلة . وإن كان القرار حتى النهاية والفعل لآلة .. فإنها لن تتأثر بشيئ إنساني . البشر لديها أرقام ويمكنها إصدار قرار وتنفيذه لإفناء عدد ما ، مقابل توازنها الرقمي للآخرين . كما أن هذه الأرقام القرارات ، لن تبالي بالعدالة الإنسانية ، وبمعاني الفقر والغنى ، ولا بالمعاناة الإنسانية . قد تقترح حلولآ " عملية ونظرية ميكانيكية " ولكن يبقى السؤال : كيف تتلاءم هذه الحلول وتتجادل وتنفذ على أرض الواقع الإنساني .
من هنا .. فإن إعتماد البشرية سيكون على " الآلة " كمصدر وتكنولوجيا ( للذاكرة الصناعية ) ، ولكنها ليست مؤهلة مهما تقدمت العلوم ، بتحولها إلى ( أداة تفكير وإتخاذ قرارات ) إنسانية ، غير مرتبطة بالميكانيكية والتجريدية الصناعية .
وأخيرآ ... إنني أرى أن ( مدرسة دمشق للمنطق الحيوي ) هي في أحسن أحوالها ، تمثل أخلاقيات حلمية ، وتريد الوصول بالإنسان إلى مراتب الملائكة ، وبالكون إلى حالة إستقرار وديمومة . فهي بدأت بتصورات مثالية عامة شاملة أولآ ، ثم حاولت أن تضع نظرية تصيغ وترسم طرق الوصول إلى النتيجة المقررة سلفآ ، بدون أن تعترف بالطبيعة والواقع والفطرة . وكانت كمن يفرغ على قماش ، رسومآ وأخيلة تعبيرية من قسم الذاكرة والرجاء الخير ، ليعتبر هذه اللوحة هي الكون الأصلح والذي يجب أن يكون . وهذا يمكن أن يكون من طبيعة فنان أو فيلسوف . لكن من يفرغ على قماشه تصوره لنفسه وللعالم المحيط به كما هو في ذاكرته ، أو كما يراه في واقعه هو . السياسي والمثقف والذي يحاول دائمآ إيجاد الطرق العملية من تفاعلية الحياة ليحسن هذه الصورة التي لا يمكن – مهما تحسنت – أن تكون مجرد نورآ مضيئآ أبيض على قماشة بيضاء ، إذ حينها تحمل اللامعنى واللاحياة واللاتعبير .

 

 

حافظ الجمالي

محمود استانبولي

محمد الراشد

جلال فاروق الشريف

جودت سعيد

روجيه غارودي

بيير تييه

رنيه شيرر

اوليفييه كاريه

مفيد ابو مراد

عادل العوا

وهيب الغانم

اتصل بنا

من نحن

جميع الحقوق محفوظة لمدرسة دمشق المنطق الحيوي 1967 - 2004