"الحيوية" ومصالح التوحيد

محمد ياسين الأخرس
(1)

كـــلـــنـــا شــــركـــاء فـي الــــوطــــــــــن عدد 07 نيسان 2005
للمراسلة postmaster@all4syria.org

 
 

"الحيوية" ومصالح التوحيد
محمد ياسين الأخرس : ( كلنا شركاء) 7/4/2005
(1)
توقفت طويلاً عند العنوان الذي سألج به إلى مداخلتي على النظرية الحيوية التي أنتجتها "مدرسة دمشق للمنطق الحيوي"، والتي أطللت عليها مؤخراً بعد اللقاء الذي تم مع الدكتور رائق النقري في مجلس اللواء المتقاعد عز الدين إدريس. وقد اخترت هذا العنوان لأنني وجدت أن طموح هذه المدرسة -واقعياً- يتجه في محور التوحيد استجابة منها لنقطة تفجرها بعد حرب 1967، والتي مني فيها العرب بهزيمة أمام إسرائيل، حاولت الأدبيات العربية أن تجعلها مركزية، وأن تعلَّل بها كل المصائب التي أخذت تتالى بروزاً في الساحة العربية على امتداد الزمن بعد تلك الحرب وحتى وقتنا هذا.
وكنت أرغب أن أدخل إلى حواري مع الدكتور رائق النقري مؤسس "مدرسة دمشق للمنطق الحيوي" من غير المدخل الذي رغب فيه. فحتى يكون الحوار منسجماً ومتكاملاً كنت أرغب أن أبدأ بالأمور النظرية البحتة، التي تعرض في نصَّها النظرية الحيوية، وأكشف عن خصائصها، وأحاول أن أضيئها كواقع نظري موضوعي، ثم أنتقل إلى تطبيقاتها العملية في الساحة العربية والإسلامية. ولكن الدكتور رائق رغب غير ذلك، وطلب مني أن تكون مداخلتي من خلال قراءتي لكتاب "فقه المصالح" الذي تم طبعه عام 1999، والذي هو زمن متطاول بعد نشوء النظرية الحيوية بعيد حرب عام 1967 فاستجبت لرغبته، رغم أنها لن تسمح بأن أظهر قراءتي مكتملة بالمقياس المعياري كما تقرره منظومة دار الشفيق المعرفية.
ولا أرى أن في الأمر تكراراً حين أؤكد على أن مداخلتي هي حوارية وليست جدلية، وأني قد أنشأتها تحت شعار "حق الآخر في الوجود والتعبير والحوار". ولهذا فإن لازم هذا الموقف هو أن مداخلتي ستنبني على أصلين يحكمان آلية إنتاج أحكامها، أولهما أن هذه المداخلة ستقوم على الشفافية، وستحاول جاهدة ألا تغادرها. وثانيهما أن هذه المداخلة لن تصاغ خاضعة لعقلية المؤامرة. وحتى لا أبقي هذين المصطلحين غائمين -مستفيداً من خطوة الدكتور رائق في تعريف المصطلحات في مطلع كتابه "ص31"- فإنني أقصد بالشفافية أن كامل الأحكام التي سأطلقها في هذه المداخلة ستعتمد على نص معلن، ولن أدع أبداً مجالاً لكي أطلق أحكاماً تعتمد على رؤية ذاتية لي (آيديولوجية) لا تعتمد على نص مذكور في الكتاب. ولعل خير بروز للشفافية كمناخ حاكم للإنتاج الإنساني المضبوط بنص يتلقاه الآخر، هو ما لقيه الرئيس جورج بوش ورئيس وزراء بريطانيا توني بلير، حين نوقشا في الحكم الذي أطلقاه عن امتلاك العراق للسلاح النووي ومخاطره على العالم، مبرَّرين لقرارهما الذي اتخذاه عام 2003 لاحتلال العراق وإسقاط نظامه.
وأعني بعقلية المؤامرة -والالتزام بتجنبها سيكون شاقاً- أنني لا أنطلق في قراءتي للتجربة الإنسانية بشموليتها، أو ضمن أي ظهور جزئي لها كالصراع العربي الإسرائيلي، أو الصراع مع الاحتلال الأمريكي في العراق من استخدام كلمة "المؤامرة" بمعناها الشائع، وهي حق الطرف النقيض في الصراع في رسم خططه الظاهرة والخفية لتحقيق النصر وخاصة في ساحات الحرب، لأن كلمة "المؤامرة" هنا استخدام اصطلاحي للفظ المؤامرة في ساحة الصراع، وهو استخدام لازم لا مفر منه. ولكنني أقصد "بعقلية المؤامرة" هو أنني لا أتصدى لدرس الفعل الإنساني في ساحة تشكيل الحضارة، على أنه فعل حُكِمَ بشكل مطلق بمصلحة فئة مخصوصة، امتلكت قدرة -فوق إنسانية- جعلت كل مظاهر الصراع تنتهي لصالحها، وأن هزيمة الآخر قدر لا مفر منه. بل أقرأ الحدث على أن هذا الفعل التاريخي -رغم وجود الصراع أداة غالبة لإنتاجه حتى الآن- هو فعل "اعتمادي"، يقوم على التعاون والتكامل بين كافة القوى المتصارعة في المستوى الأعلى وهو مستوى حركة التاريخ، التي تضبط بمنطقها إنتاج التجربة الإنسانية كما استقر ما ظهر منها حتى الآن. وهذا التعاون لـه معيار واضح لكشف عناصره، والالتزام بالشفافية وتجنب عقلية المؤامرة هما كاشفا هذا المستوى، وسيكونان محددين فكريين لمداخلتي على كتاب "فقه المصالح" للدكتور رائق النقري. ويعني إعمال هذين المحددين أنني لن أتوصل إلى حكم ما، أطلقه معتمداً على دعوى قراءة النيات، بل إن كل حكم سأطلقه في هذه المداخلة سيعتمد على نص منقول من كتابه الذي أعارنيه لأنه غير متداول في قطرنا. وبهذا الالتزام سأقف مع الكتاب في دائرة ضوء، وستكون ميزة هذا الضوء الغامر أنه سيريني كيف شكَّل العرب والمسلمون تجربتهم في عصورهم الحديثة، وما هي النظم الاجتماعية التي حكمتها، وكيف أنها جزء من هذه النظم الإنسانية التي هي سنن كونية يخضع لها كل الجنس الإنساني في سياق زمن إنتاج تجربته التاريخية.
وما دفعني لصياغة عنواني (الحيوية ومصالح التوحيد) هو هذه اللفتة التي عرضها الدكتور رائق حين أهدى عمله إلى من يراهم قد ساهموا في تكوينه، فكان على رأسهم والده علي النقري / أبو محمود، الذي قال عن دوره في تشكيل المؤلف: (... فغرس فيَّ حدس التوحيد وعلمني أن نجم القطب -في أي فقه- هو "ما ينفع الناس" ... الإهداء ص5) ولمركزية هذا الغرس في بنية الكاتب والذي يتبدى جلياً لا ينازعه ضد له في توجهه، والذي برز كذلك في هذا الصدق الذي ذكر به أخاه محمد في الإهداء (... الذي كان أول من استشهد لإنقاذ عروبة لبنان ووقف الحرب الأهلية ... الإهداء ص5) لهذا كله توصلت إلى هذا العنوان، عارضاً من خلاله رؤيتي للدور الذي طمحت "مدرسة دمشق للمنطق الحيوي" أن تحققه واقعياً، وذلك من خلال اعتبارها "التوحيد" هو جوهر القوة التي يمكن للعرب أن يمتلكوها، أداة لتحقيق وجودهم على قدر طموحهم التاريخي.
ولا تقبل هذه المقالة -بحكم أنها جنس أدبي محدود الحجم وذو صفات تداولية محددة بين القراء- الوقوف أمام كل ما يلفت نظري في جزئيات الكتاب، عارضاً لها مبرزاً من خلالها خصائص الكتاب (رؤية ومنهجاً وصياغة). لأن هذا يحتاج إلى جنس أدبي آخر يمتلك خواصاً تسمح لي بذلك، ولكنني لن أخلي الفصل الذي جاء عنوانه "عاصفة ذهنية" من وقوف مدقق، والذي جاء غفلاً من الإشارة لكاتبه، رغم أن أسلوبه واضح المباينة لأسلوب الكتاب (عرفت خلال جلسة خاصة جمعتني مع المؤلف وبحضور الأستاذ مروان حبش والأستاذ محمود استانبولي أن كاتب هذا الفصل هو الأستاذ محمود). وقد حاولت هذه المقدمة أن تكون مدخلاً جديداً يعرض القاعدة التي يقوم عليها الكتاب، والتي تشكل برهانه ودليله الذي يثبت صحة مقولاته (المقابلة الخاصة مع المؤلف بحضور حبش واستانبولي). وهذه القاعدة هي دور فكرة "الشكل" في احتواء كل مظاهر الكون. وشموليته لفظ "الشكل" أمام كل ما يمكن أن يورد من ألفاظ كلية.
وقد عرض كاتب المقدمة هذا المدخل تحت عنوان مبتدع "عاصفة ذهنية" وبشكل فيه جدة واضحة، فدل العنوان وآلية العرض على هذه المحاولة النشيطة التي يقوم بها هؤلاء الباحثون الذين انضووا تحت اسم "مدرسة دمشق للمنطق الحيوي". والاعتماد على الشكل ككلمة كلية شاملة تستوعب كل مظاهر الوجود هو تأثر واضح بالخطاب الفلسفي، الذي سعى إلى الوصول إلى نظرية توحيدية للكون كله من خلال نص لغوي، وبالتالي البحث بجدًّ عن لفظ يسع كل مظاهر هذا الوجود. والخطاب الفلسفي في سعيه لإنتاج نظرية تضبط الوجود كله موحَّداً من خلالها، هو تطلع مشروع انتقل من حيَّز المعرفة والفلسفة إلى حيَّز العلم التجريبي، فسعى علماء الفيزياء الكونية منذ ألبرت آنيشتاين -بعد إنتاجه للنظرية النسبية العامة- إلى إنتاج معادلة يتوحد فيها هذا الكون. ومازال هذا البحث في مجال الفيزياء جاداً، رغم أن آنيشتاين قد تنبه إلى أن نقل البحث عن نظرية توحيدية من مجال المعرفة إلى مجال العلم التجريبي هو خروج من حيَّز قابل للإنتاج إلى حيَّز عقيم. ولهذا صاغ قبل وفاته بسنوات عبارته المشهورة (العلم بدون نظرية معرفية منهج بدائي ومشوش)، مشيراً إلى أن العلم التجريبي هو جنس من المعرفة، وأن البحث عن النظرية التوحيدية مجاله المعرفة وليس العلم، وأن بقاء العلم بدون تأسيس معرفي يجعل ظهور العلم بشكل مشوش، وغير قادر على الوصول إلى كل النتائج الممكنة في زمنها النظري، وبدون هدر يضيع طاقة الإنسان ويحمَّله قلقاً ليس ضرورياً.
البحث عن كلمة جامعة لكل مظاهر الوجود هو خروج في مناخ التوحيد إلى حيَّز ليس ضرورياً، وذلك لأن اللغة الإنسانية /مشيرة إلى ظهور التجربة الإنسانية في سياق "نظري" مقدمة لظهور هذه التجربة في سياق "التطبيق" الذي سيقوم به العلم التجريبي/ تكشف عن غنى هذه التجربة وخصائصها، وتدل بشكل واضح أن البحث عن كلمة تشكل جامعاً لكل الوجود هو أمر غير ضروري -رغم كل إغراءاته التوحيدية-، وأن كلمة "الشكل" التي توصلت إليها المقدمة المعنونة "عاصفة ذهنية" هي كلمة كلية تشمل ظهورات الأجزاء المشكلة للكون، في خلال سيرورة التغيَّر القائم على الحركة الضابطة لتفاعل الأجزاء والتي لا تنتهي. ومن هنا فالإشارة إلى أهمية ومركزية هذا المدلول لكلمة "الشكل" يأتي في سياق انتهاء وهم الثبات الذي سيطر في زمن تاريخي معين وهو زمن الدين التوحيدي، الذي جعل همَّه مصبوباً على إنتاج الإنسان الحر المريد اعتماداً على بناء داخله، وهذا ما جعل العلاقات الإنسانية مع الآخر، وحضور الطبيعة في التجربة الإنسانية غير مهمين للفعل الإنساني، فظهرت دلالة الثبات. وحين حصل الانفجار للحرية في مطالع العصور الحديثة اعتماداً على ما خزَّنه الدين التوحيدي من مادة الإنسان الحر المريد، انتهى العمل في حيَّزه السابق الذي كان موضع الاهتمام في ذلك العصر، وانصب عمل الإنسان على العلاقات مع الآخر وعلى الطبيعة، فأدخل الفعل الإنساني هذين الحيَّزين إلى سياق التغيير، مما دعا أصحاب الدين التوحيدي أن يقفوا رافضين لهذا التوجه الرؤي لساحة الفعل الإنساني ولنتائجه، وكان هذا محوراً مهماً لهذا التفريق بين المثالية في أعلى أشكالها (الدين التوحيدي)، وبين تيارات المعرفة الجديدة في أكثر أشكالها الحداثوية (الماركسية) بظهوراتها المختلفة.
مازال التغيُّر مصطلحاً مربكاً في حيَّزه الإنساني (الجمود الذي أصاب آيديولوجيات القرن العشرين وأدى إلى انتهاء الشيوعية والرأسمالية)، وذلك لأنه لم يتأسس معرفياً، بل أسس فكرياً بآلية المشاهدة. والتفكير إنشاءات في المعرفة في سياق غير مكتمل، يقوم على إبراز للواقع الإنساني يفتقد الاستقرار، لنتيجة يحتاجها لتشكل المفهوم، مقدمة لحالة الفهم الكامل للتجربة الإنسانية، التي تبني على حالة الاستقرار هذه حالة اطمئنان وهدوء، يحوزها امتلاك المفهوم الجزئي أو عملية الفهم بشكل كامل. ومن هنا فما زال التغيُّر غير مؤسس معرفياً لأن الأدبيات الإنسانية لا تعرض لهدف التجربة الإنسانية كضابط لكل مظاهرها المعتمدة على التغيُّر، ومازالت الإنسانية لم تجب على تساؤل آنيشتاين، الذي يريد أن يؤسس "العلم" /الذي يتحدث بشكل واضح عن التغيُّر ويضبطه موضوعياً/ على المعرفة، وهذا تحديد لمحور العمل في المستوى الأعلى الذي لا يحتاج إلى التوحيد في حيَّز الكلمات.
وقد لفت نظري حين قرأت المقدمة لأحد الأجوبة عن التساؤل حول هذا اللفظ الشامل، وكان الجواب هو "الكلمة". ورد على هذا الجواب في سياق توجهه لتوليد شمولية دلالة لفظ "الشكل" فاستشهد بآيات كريمة من الإنجيل وهي (في البدء كانت الكلمة، والكلمة كانت مع الله والكلمة كانت هي الله .. ص8 المقدمة) وهذه الآيات الكريمة هي افتتاح إنجيل يوحنا الإصحاح الأول وهي مضبوطة بهذا النص (في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله .. "كتاب العهد الجديد لربنا ومخلصنا الرب يسوع المسيح ص145 دون ذكر المطبعة إلا ملاحظة على الصفحة الأولى: وقد ترجم من اللغة اليونانية") وهذا الفارق في ضبط النص يكشف عن أن المناقشة الجزئية التي تعامل بها الكاتب مع هذه الآيات الكريمة كانت خارجة على السياق وأن دلالتها في هذا النص الذي ورد في إنجيل يوحنا مختلف تماماً بسبب النظر إلى لفظ "الكلمة" في سياق غير سياق قواعد اللغة كما توجه فهم مؤلف المقدمة مما لا يجعلها تصلح تأييداً لما سيذهب إليه. ولعل دارسي اللاهوت يكشفون عن هذا الفرق الهائل بين الصيغتين، وأن الصيغة الموجودة في نص الإنجيل مازالت حتى الآن أحد مرتكزات سر المسيح الذي هو محور أسرار الكنيسة.
وأحب أن أعلَّق على أن مادة هذه المقدمة التي افتتح بها الكتاب تحت اسم "عاصفة ذهنية"، تكشف عن مدى الشوق الذي حمله مفكروا "مدرسة دمشق للمنطق الحيوي"، والذي دفعهم إلى هذا العمل الجديد، حين حاولوا أن يكشفوا علة هذا الواقع العربي غير المنسجم مع نتائج آليات الاجتماع الإنساني كما أفرزتها العصور الحديثة، والذي يتبدى في هذه الهزائم المتتالية أمام إسرائيل، التي تكشف عن ضعف الواقع العربي وسلبية نتائجه. وهو شوق معلَّل، لأننا أمة ما زالت تحمل طموحاً عالمياً عبَّرت عنه التجربة الإسلامية في زمنها التاريخي، وحاول حزب البعث أن يكون تعبيراً جديداً لهذا الطموح من خلال شعاره (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة). ولكن هذا الطموح مني بانكسارات متتالية منذ منتصف القرن الثامن عشر وحتى عام 1967 مما دفع هؤلاء الباحثين في سياق أبحاث النهضة العربية أن يجدُّوا لكشف علة ذلك، للوصول إلى برنامج يستطيع أن يغيَّر هذا الواقع، ويخرجه من حيَّز الضعف إلى حيَّز القوة، ويبرز نتائجه في سياق انتصار تاريخي حديث يساوي انتصار العرب المسلمين في مفتتح تجربتهم التاريخية.
ستكون هذه المقالة هي مدخلي لحوار مع الدكتور رائق النقري، وهذا المدخل شرحت فيه الجو الذي سأنتج فيه رؤيتي لما قدمه الدكتور رائق في كتابه "فقه المصالح"، والذي سأحاول أن أجعله محرَّكاً لتيار بحث نظري في سياقات هذه المرحلة، التي تنتج كل أدبياتها في السياق العملي وتحاول أن تتجنب السياق النظري، ودون أن تكتشف مدى الخسارة والضعف الذي يلحق بإنتاجاتها العملية نتيجة ذلك. وإذا حققت هذه الحوارية هذا فسيكون شكري للدكتور النقري مضاعفاً.

 

حافظ الجمالي محمود استانبولي محمد الراشد جلال فاروق الشريف جودت سعيد روجيه غارودي
بيير تييه رنيه شيرر اوليفييه كاريه مفيد ابو مراد عادل العوا وهيب الغانم
اتصل بنا من نحن جميع الحقوق محفوظة لمدرسة دمشق المنطق الحيوي 1967 - 2004